الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وأما العظم ، والقرن ، والسن ، والظفر ، والخف ، والحافر فضربان :

[ الأول ] : ضرب أخذ من غير مأكول فهو نجس إذ لا أصل لطهارة أجزائه .

و [ الثاني ] : وضرب أخذ من مأكول اللحم ، فإن كان بعد الذكاة فهو طاهر ، لأن الذكاة قد طهرت جميع أجزائه سوى دمه ، وحكي عن بعض الشاذة أنه قال بطهارة دمه ، وهذا قول مدفوع بالنص والإجماع .

فأما المأخوذ منه بعد موته فنجس لما دللنا ، وكذا المأخوذ منه في حياته لرواية أبي واقد الليثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما قطع من حي فهو ميت " . فإن قيل : فهلا كان المأخوذ منه في حياته طاهرا كالشعر .

قيل : الفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن الشعر طاهر بارز فصار كالمتميز ، والعظم باطن كامن يجري مجرى اللحم والشحم .

والثاني : أن الشعر يستخلف ، وفي أخذه منفعة فصار باللبن أشبه ، والعظم لا يستخلف وفي أخذه مضرة بالأعضاء وإذا نجس العظم لا يطهر بالدباغة ، ولا بالغسل ، ولا [ ص: 74 ] بالطبخ ، وحكي عن الليث أن العظم النجس إذا طبخ حتى خرج دهنه صار طاهرا ، وهذا خطأ ، لأن عظم الميتة نجس الذات فلم يطهر بفراق ما جافره من الدهن ، ولا يجوز استعماله في شيء من الذائبات لكن يجوز في اليابسات ، ويجوز وقوده في النار تحت القدور ، وفي التنانير ، واختلف أصحابنا في نجاسة دخانه ودخان سائر النجاسات الموقدة على وجهين :

أحدهما : أنه طاهر : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح الاستصباح بالزيت النجس مع علمه بحال دخانه .

والوجه الثاني : أنه نجس : لأنه حادث عن عين نجسة ، والنار لا تطهر النجاسة ، فعلى هذا هل يعفى عنه أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : يعفى عنه للحوق المشقة في التحرز منه واعتبارا بالعرف المستعمل فيه .

والوجه الثاني : أنه لا يعفى عنه : لأن نجاسته نادرة فكان التحرز منهما ممكنا فعلى هذا لو حصل في تنور مسجور وجب مسحه قبل الخبز فيه : فإن مسحه بخرقة يابسة طهر ، لأنها نجاسة يابسة زالت عنه بالمسح ، وإن مسحه بخرقة رطبة لم يطهر إلا بالغسل .

التالي السابق


الخدمات العلمية