الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا رهنه ما يفسد من يومه أو غده أو مدة قصيرة لا ينتفع به يابسا مثل البقل والبطيخ فإن كان الحق حالا فجائز ويباع وإن كان إلى أجل يفسد إليه كرهته ومنعني من فسخه أن للراهن بيعه قبل محل الحق على أن يعطى صاحب الحق حقه بلا شرط فإن شرط أن لا يباع إلى أن يحل الحق فالرهن مفسوخ " .

قال الماوردي : وجملة الرهن أنه على ضربين :

ضرب يبقى ولا يفسد غالبا كالثياب والعروض والحيوانات ، فرهن هذه جائز في الحال والمؤجل ، فإن حدث بها ما يؤدي إلى فسادها مثل عت يأكل الثوب ، أو كسر يصيب الحيوان لم يقدح ذلك في صحة الرهن ، ولكن هل يجبر الراهن على بيعه قبل ضماده ليكون ثمنه رهنا مكانه أو قصاصا من الحق أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : لا يجبر على بيعه لأن حق المرتهن في حبسه دون بيعه .

والقول الثاني : يجبر على بيعه لما في البيع من استيفاء الوثيقة كما يجبر على المعلوفة والنفقة .

فصل : والضرب الثاني : ما يفسد ولا يبقى كالأطعمة والفواكه فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون استصلاحه للتبقية ممكنا كالرطب الذي إن جفف صار تمرا ، والعنب الذي إن جفف صار زبيبا ، فرهن هذا جائز في الحال والمؤجل ، لإمكان تبقيته بالتجفيف .

فإن امتنع الراهن من تجفيفه أجبر عليه لما فيه من حفظ ملك الراهن .

والضرب الثاني : أن يكون استصلاحه مع التبقية غير ممكن كالبطيخ والخيار وسائر الطبائخ كالهريسة وغيرها فإن كان الحق حالا كان رهنه منه جائزا لوجوب بيعه قبل فساده ، وإن كان الحق مؤجلا فالأجل على ضربين :

أحدهما : أن يكون حلوله قبل فساده فرهنه جائز .

والضرب الثاني : أن يكون حلوله بعد فساده فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يشترطا تبقية الرهن إلى وقت حلوله فهذا رهن باطل لعلمنا بتلفه قبل حلول الحق .

فصل : والضرب الثاني : أن يطلقا رهنه ولا يشترطا تبقيته ففي جواز رهنه قولان :

أحدهما : أن رهنه جائز لأمرين :

[ ص: 123 ] أحدهما : أن عرف الناس في رهن ما يفسد قبل حلول الحق ألا يمتنعوا من بيعه إذا خيف فساده قبل حلول الحق فجاز رهنه في المؤجل تغليبا لبيعه قبل فساده عرفا كما جاز رهنه في المعجل تغليبا لبيعه قبل فساده حكما وتحريره : أن كل ما جاز رهنه في المعجل جاز رهنه في المؤجل كالذي لا يفسد فيه .

والثاني : أن حدوث الفساد بما لا يفسد جار مجرى فساد ما يفسد لأنهما قد يقضيان إلى التلف ، فلما كان لو رهن ما لا يفسد ثم طرأ عليه الفساد مثل كسر الحيوان لم يمنع من صحة الرهن ، وجب أن يكون تقدم الفساد فيما يفسد غير مانع من جواز الرهن .

وتحريره : أنه فساد لا يمنع من جواز البيع فوجب ألا يمنع من جواز الرهن الحادث بعد العقد .

والقول الثاني : أن رهنه باطل لأمرين :

أحدهما : أن ما يوجبه العقد إذا كان مطلقا بمنزلته لو شرط نطقا فلما كان شرط تبقيته إلى حلول الحق مانعا من جواز رهنه وجب أن يكون إطلاق عقده مانعا من جواز رهنه .

والثاني : أن أحكام العقود محمولة على موجبات أصولها دون ما يتطوع به المتعاقدان فيها ، وحبس الرهن إلى حلول الحق واجب واتفاقهما على بيعه قبل حلول الحق لأجل فساده تطوع فلم يجز أن يحمل على تطوعهما ببيعه ليصح الرهن ووجب أن يحمل على وجوب إمساكه إلى حلول الحق ليفسد الرهن كمن باع عبدا آبقا أن يحمل البيع على جواز وجوده ليصح العقد وحمل على تعذر وجوده وإن بطل البيع .

فصل : فإذا قلنا ببطلان رهنه كان في بطلان البيع المشروط فيه قولان .

وإذا قلنا بجواز رهنه لم يلزم الراهن بيعه عند فساده ، والفرق بين هذا في ألا يجب بيعه عند فساده ، وبين ما لا يفسد في وجوب بيعه في أحد القولين عند حدوث فساده أن البيع يمنع من الفساد فوجب بيع ما لم يكن فاسدا إذا حدث فيه الفساد ليكون الرهن باقيا في الانتهاء على حكمه في الابتداء وليس كذلك ما كان فاسدا وقت العقد لأنه في الانتهاء على ما كان عليه في الابتداء .

فإذا ثبت أنه لا يباع فلا خيار للمرتهن في فسخ البيع كالمشروط فيه إذا امتنع الراهن من بيع الرهن عند فساده لأن فساده قد كان معلوما به .

التالي السابق


الخدمات العلمية