الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فإذا ثبت جواز بيع العلو منفردا دون السفل فلا يخلو حالهما إذا تبايعاه من ثلاثة أقسام :

[ ص: 412 ] أحدها : أن يشترطا في العقد أن يبني عليه .

والثاني : أن يشترطا فيه أن لا يبني عليه .

والثالث : أن يطلقا العقد .

فإن اشترطا أن يبني عليه لم يخل حال الشرط من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يشترطا عليه بناء معلوما بصفاته طولا وعرضا ويصفان آلته : آجر وجص ولبن وطين فهذا بيع جائز وشرط لازم ، وليس للمشتري الزيادة عليه ولا للبائع المنع منه لأنها منفعة معلومة .

والقسم الثاني : أن يشترطا أن يبني ما شاء فهذا شرط باطل للجهالة به ، وبيع باطل لما تضمنه من بطلان الشرط الفاسد ، وخالف الأرض إذا عاوضه على البناء فيها ؛ لأن الأرض تحتمل ما يبنى عليها فلم يحتج إلى تقديره بالشرط ، والعلو لا يحتمل البناء عليه إلا إلى حد مقدر فافترقا .

القسم الثالث : أن يشترطا البناء ولا يشترطا قدره ولا وصفا طوله وعرضه بل يكون الشرط مطلقا ففي الشرط وجهان :

أحدهما : لازم ويبني عليه ما احتمله لأنه قد يتقدر عند أهل الخبرة بالمعتاد المألوف فلم يفتقر إلى تقديره بالشرط .

والوجه الثاني : أن الشرط باطل لأن العادات فيه مختلفة وأهل الخبرة لا يتفقون فيه ولأنه مجهول عند المتعاقدين في الحال وهذا أصح الوجهين .

فعلى هذا يكون البيع باطلا ، لفساد ما ضمن من الشرط فهذا الكلام فيه إذا تبايعاه بشرط البناء عليه .

فأما إذا تبايعاه بشرط أن لا يبني عليه فالبيع جائز وليس له البناء عليه وله أن يسكن فيه ويرتفق به كيف شاء بعد أن لا يبني .

فإن قيل : فلم صح هذا العقد وقد تضمنه شرط أوقع عليه حجرا في ملكه فصار كما لو باعه أرضا على أن لا يبني فيها .

قيل الشرط لم يتضمن حجرا فيما ملكه بالعقد ، وإنما تضمن المنع من إحداث ما ليس على ملكه في الحال .

والفرق بين العلو حيث جاز بيعه بشرط أن لا يبني عليه وبين الأرض حيث لم يجز [ ص: 413 ] بيعها بشرط أن لا يبني فيها أن الأرض المبيعة لم يبق للبائع فيها حق ، ولا يدخل عليه بالبنيان فيها ضرر فبطل العقد فيها باشتراط ما لا يتعلق بحقه ، وليس كذلك العلو لأنه متصل بملك البائع وفي البناء عليه إضرار به فصار الشرط فيه متعلقا بحقه فافترقا .

فهذا الكلام فيه إذا شرطا أن لا يبني عليه .

فأما إذا تبايعاه مطلقا بغير شرط فهل للمشتري أن يبني عليه أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : أنه يبني عليه ما احتمله ؛ لأنها منفعة من منافع ملكه فلم يجز أن يحجر عليه فيها .

والوجه الثاني : وهو أصح ليس له البناء لما فيه من الإضرار بالسفل وتكون منفعته مقصورة على السكنى والارتفاق بما تضمنه العقد من غير إحداث زيادة .

فأما البيع فعلى الوجهين معا لازم وإنما الوجهان في جواز البناء .

التالي السابق


الخدمات العلمية