الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " فإذا جاوز ذلك بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر والأذان "

قال الماوردي : وهذا كما قال : " إذا تجاوز ظل كل شيء مثله سوى ظل الزوال دخل أول وقت العصر ، وخرج وقت الظهر من غير أن يكون بينهما فصل "

وقال أبو حنيفة : في أشهر الروايات عنه : أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه : استدلالا برواية عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر ، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مثلكم [ و ] ، مثل أهل الكتاب من قبلكم كرجل استأجر أجيرا من الغداة إلى الظهر بقيراط ألا فعملت اليهود ، واستأجر آخر من الظهر إلى العصر بقيراط ألا فعملت النصارى ، واستأجر آخر من العصر إلى المغرب بقيراطين ألا فعملتم أنتم ، قال : فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : ما بالنا نحن أكثر عملا وأقل أجرا ؟ قيل : هل نقصتم من أجركم شيئا ؟ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءفدل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر ، قال : ولأنها صلاة يكره التنفل في بعض وقتها فوجب أن يكون وقتها أقصر من وقت ما قبلها ، كالصبح مع العشاء

ودليلنا حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمني جبريل فصلى بي العصر حتى صار ظل كل شيء بقدر ظله

وروى عطاء عن جابر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن بالصلاة حين زاغت الشمس مثل الشراك ، فصلى الظهر ، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله ، الحديث

وروى الزهري - عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس بيضاء حية ثم يذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة

وروى عروة عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس طالعة بينة في حجرته [ ص: 17 ] لم يظهر الفيء عليها ، أي : لم يصعد ويرتفع ، والظهور الصعود ، ومنه قوله تعالى : ومعارج عليها يظهرون [ الزخرف : 33 ] ، أي : يصعدون

وروى أنس بن مالك قال : ما كان أحد أشد تعجيلا للعصر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان أبعد الرجلين دارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو لبابة وأبو عبس : دار أبي لبابة بقباء ، ودار أبي عبس ببني حارثة ، كانا يصليان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ، ويأتيان قومهما وما صلوها : لتبكير رسول الله صلى الله عليه وسلم بها

وروى أنس قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ، فأتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله ، إن لي جزورا أريد أن أنحرها وأحب أن تحضرها . قال : فحضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحرت الجزور وقطعت وطبخت ، وأكلناها نضيجا قبل غروب الشمس "

فدلت هذه الأخبار كلها على تقديم وقت العصر وامتداده ، ولأنها صلاة تجمع إلى ما قبلها ، فوجب أن يكون وقتها أمد من وقت التي قبلها كالعشاء مع المغرب

فأما الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فهو أنه مستعمل ، لأن وقت اصفرار الشمس من وقت العصر ، وإنما الخلاف في أوله وليس فيه ما يمنع من تقدمه

وأما احتجاجهم بحديث الأجراء ففيه جوابان : أحدهما : أن قولهم نحن أكثر عملا يرجع إلى زمان الفريقين اليهود ، والنصارى من الغداة إلى العصر لا إلى زمان أحدهما ، لأنه إخبار منهما

فإن قيل : وقد قالوا ونحن أقل أجرا وليس الفريقان أقل أجرا ، وليس أحدهما أقل أجرا

قلنا : الأجرة قد تستعمل لكثرة العمل وإن كانت مساوية لغيرها في الزمان القليل

والجواب الثاني : أنه يحمل على أنهم أكثر عملا بكثرة العبادة لا طول الزمان ، لأن الزمان بمجرده لا يكون عملا

وأما قياسهم ، فمعارض بقياسنا على أنه مطرح مع ما ذكرناه من النص - والله أعلم -

التالي السابق


الخدمات العلمية