الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإن انقضت سنوه لم يكن لرب الأرض أن يقلع غرسه حتى يعطيه قيمته وقيمة ثمرته إن كانت فيه يوم يقلعه ( قال الشافعي ) رحمه الله : ولرب الغراس إن شاء أن يقلعه على أن عليه ما نقص الأرض ، والغراس كالبناء إذا كان بإذن مالك الأرض مطلقا " .

( قال المزني ) - رحمه الله - : القياس عندي وبالله التوفيق أنه إذا أجل له أجل له أجلا يغرس فيه ، فانقضى الأجل أو أذن له ببناء في عرصة له سنين وانقضى الأجل أن الأرض والعرصة مردودتان : لأنه لم يعره شيئا ، فعليه رد ما ليس له فيه حق على أهله ، ولا يجبر صاحب الأرض على غراس ولا بناء إلا أن يشاء ، والله عز وجل يقول : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وهذا قد منع ماله إلا أن يشتري ما لا يرضى شراءه ، فأين التراضي ؟ .

قال الماوردي : وصورتها فيمن استأجر أرضا ليبني فيها ويغرس فانقضى الأجل ، والبناء والغراس قائم في الأرض ، فليس له بعد انقضاء الأجل أن يحدث بناء ولا غرسا ، فإن فعل كان متعديا وأخذ بقلع ما أحدثه بعد الأجل من غرس وبناء ، فأما القائم في الأرض قبل انقضاء الأجل فلا يخلو حالهما فيه عند العقد من ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يشترطا قلعه عند انقضاء المدة ، فيؤخذ المستأجر بقلع غرسه وبنائه لما تقدم من شرطه ، وليس عليه تسوية ما حدث من حفر الأرض : لأنه مستحق بالعقد .

والحال الثانية : أن يشترطا تركه بعد انقضاء المدة فيقر ، ولا يفسد العقد بهذا الشرط : لأنه من موجباته لو أخل بالشرط ، ويصير بعد انقضاء المدة مستعيرا على مذهب الشافعي - رضي الله عنه - فلا تلزمه أجرة ، وعلى مذهب المزني : عليه أجرة ما لم يصرح له بالعارية ، فإن قلع المستأجر غرسه وبناءه لزمه تسوية ما حدث من حفر الأرض : لأنه لم يستحقه بالعقد ، وإنما استحقه بالملك . وهذا قول جميع أصحابنا ، وإنما اختلفوا في تعليله ، فقال بعضهم : العلة فيه أنه لم يستحقه بالعقد ، وهو التعليل الذي ذكرناه ، فعلى هذا لو قلعه قبل انقضاء المدة لم يلزمه تسوية الأرض .

والحال الثالثة : أن يطلقا العقد فلا يشترطان فيه قلعه ، ولا تركه فينظر ، فإن كان قيمة الغرس والبناء مقلوعا كقيمته قائما ، أخذ المستأجر بقلعه : لأنه لا ضرر يلحقه فيه ولا نقص [ ص: 468 ] وإن كان قيمته مقلوعا أقل من قيمته قائما - وهو الأغلب - نظر ، فإن بذل رب الأرض قيمة الغرس والبناء قائما ، أو ما بين قيمته قائما أو مقلوعا لم يكن للمستأجر تركه : لأن ما يدخل عليه من الضرر بقلعه يزول ببذل القيمة أو النقص ، وقيل : لا نجبرك على أخذ القيمة ، ولكن نخيرك بين أن تقلعه ، أو تأخذ قيمته ، وليس لك إقراره وتركه .

وإن لم يبذل رب الأرض قيمة الغرس والبناء ، ولا قدر النقص نظر في المستأجر ، فإن امتنع من بذل أجرة المثل بعد تقضي المدة لم يكن له إقرار الغرس والبناء وأخذ بقلعه ، وإن بذل أجرة المثل مع امتناع رب الأرض من بذل القيمة أو النقص ، فمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن الغرس والبناء مقر لا يؤخذ المستأجر بقلعهما ، ويؤخذ أجرة مثلهما ، وقال أبو حنيفة ، والمزني : ويؤخذ المستأجر بقلعهما ، ولا يجبر رب الأرض بعد انقضاء المدة على تركهما استدلالا بما ذكره المزني من قول الله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ النساء : 29 ] .

وليس من رب الأرض رضى بالترك فلم يجبر عليه ، ولأنه لما أخذ بقلع زرعه عند انقضاء المدة لم يقر إلى أوان حصاده مع أن زمان حصاده محدود ، فلأن يؤخذ بقلع الغرس والبناء مع الجهل بزمانهما أولى ، ولأن تحديد المدة يوجب اختلاف الحكم في الاستيفاء كما أوجب اختلاف الحكم في إحداث الغرس والبناء . وهذا المذهب أظهر حجاجا وأصح اجتهادا ، واستدل أصحابنا على تركه وإقراره بقوله - صلى الله عليه وسلم - ليس لعرق ظالم حق .

فاقتضى ذلك وقوع الفرق بين الظالم والمحق ، فلم يجز أن يسوى بينهما في الأخذ بالقلع ، قالوا : ولأن من أذن لغيره في إحداث حق في ملكه كان محمولا فيه على العرف المعهود في مثله ، كمن أذن لجاره في وضع أجذاعه في جداره كان عليه تركه على الأبد ، ولم يكن له أخذه بقلعها : لأن العادة جارية باستدامة تركها ، كذلك الغرس والبناء ، العادة فيهما جارية بالترك والاستيفاء دون القلع والتناول ، فحملا على العادة فيهما ، وهذا الاستدلال يفسد بالزرع : لأن العادة جارية بتركه إلى أوان حصاده ، ثم هي غير معتبرة حين يؤخذ بقلعه ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية