[ ص: 121 ] باب
ميراث الجد
مسألة : قال
الشافعي - رحمه الله تعالى - : " والجد لا يرث مع الأب ، فإن لم يكن أب فالجد بمنزلة الأب إن لم يكن الميت ترك أحدا من ولد أبيه الأدنين أو أحدا من أمهات أبيه ، وإن عالت الفريضة إلا في فريضتين زوج وأبوين أو امرأة وأبوين ، فإنه إذا كان فيهما مكان الأب جد صار للأم الثلث كاملا وما بقي فللجد بعد نصيب الزوج أو الزوجة ،
وأمهات الأب لا يرثن مع الأب ويرثن مع الجد " .
قال
الماوردي : أما الجد المطلق فهو أبو الأب لا غير ، فأما أبو الأم فهو جد بتقييد ، ثم الجد يجمع رحما وتعصيبا كالأب ، فيرث تارة بالرحم فرضا مقدرا ، ويرث بالتعصيب تارة مرسلا ، ويجمع بين الفرض والتعصيب في موضع ، ولا خلاف أن
الجد لا يسقط إلا بالأب وحده ، وله في ميراثه ثلاثة أحوال أجمعوا أنه فيها كالأب ، وحالة أجمعوا أنه فيها بخلاف الأب ، وحال اختلفوا هل هو فيها كالأب أم لا ؟
فأما الحال التي أجمعوا على أنه فيها كالأب فمع البنين وبنيهم يأخذ بالفرض وحده ، ومع البنات وبنات الابن يأخذ بالفرض والتعصيب إن بقي شيء كالأب ويسقط سائر العصبات سوى الإخوة من الأعمام وبنيهم وبني الإخوة إلا في رواية شاذة حكاها
nindex.php?page=showalam&ids=12428إسماعيل بن أبي خالد عن
علي - عليه السلام - أنه قاسم الجد مع بني الإخوة ، وليست ثابتة ، ويسقط الإخوة للأم ، فهذه حال هو والأب فيها سواء ، وأما ما أجمعوا عليه على أنه فيه مخالف للأب ، ففي فريضتين هما : زوج وأبوان ، أو زوجة وأبوان ، فإن للأم ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج والزوجة ، فإن كان مكان الأب جد فللأم ثلث جميع المال في الفريضتين ، أما مع الزوجة فباتفاق ، وأما مع الزوج فهو قول الأكثرين ، وحكي عن
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه جعل للأم ثلث ما بقي والباقي للجد للأب ، وحكي عن
ابن مسعود أنه جعل للزوج النصف ، والباقي بين الجد والأم نصفين ، وهي إحدى مربعاته : لأنه جعل المال أرباعا ، والذي عليه الجمهور ما ذكرنا ، والجد يحجب أم نفسه دون أمهات الأب ، فهذه حال ذهبوا إلى أنه فيها مخالف للأب ، وأما ما اختلفوا هل الجد فيه كالأب أم لا ؟ فمع الإخوة والأخوات ، وقد كانت الصحابة - رضي الله عنهم - لاشتباه الأمر فيه تكره القول فيه حتى روى
nindex.php?page=showalam&ids=15990سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار [ ص: 122 ] وقال
علي - عليه السلام - : " من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الإخوة والجد " ، وقال
nindex.php?page=showalam&ids=10عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - : سلونا عن عضلكم ودعونا من الجد لا حياه الله " . فاختلف الصحابة ومن بعدهم في
سقوط الإخوة والأخوات بالجد ، فروي عن
أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وعائشة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهم - أن الجد يسقط الإخوة والأخوات كالأب ، وعن
عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - مثله ، ثم رجعوا عنه ، بل روي عنهم أنهم لم يختلفوا فيه أيام
أبي بكر حتى مات رضي الله عنه .
وبهذا قال من التابعين
عطاء وطاوس والحسن ، وقال به من الفقهاء
أبو حنيفة والمزني وأبو ثور وإسحاق وابن سريج وداود ، وروي عن
عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمران بن الحصين - رضي الله عنهم - أن الجد يقاسم الإخوة والأخوات ولا يسقطهم على ما سنذكره من كيفية مقاسمته لهم .
وبه قال من التابعين
شريح والشعبي ومسروق وعبيدة السلماني ، ومن الفقهاء
الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل ، واستدل من أسقط الإخوة والأخوات بالجد بقول الله تعالى :
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق [ يوسف : 38 ] ، وقال تعالى :
ملة أبيكم إبراهيم [ الحج : 78 ] ، فسماه أبا ، وإذا كان اسم الأب منطلقا على الجد وجب أن يكون في الحكم كالأب ، ولأن للميت طرفين أعلى وأدنى ، فالأعلى الأب ومن علا ، والأدنى الابن ومن سفل ، فلما كان ابن الابن كالابن في حجب الإخوة وجب أن يكون أبو الأب كالأب في حجب الإخوة . وتحريره قياسا أنه أحد الطرفين فاستوى حكم أوله وآخره كالطرف الآخر ، قالوا : ولأن الجد عصبة لا يعقل ، فوجب أن يسقط العصبة التي تعقل كالابن ، ولأن من جمع الولادة والتعصيب أسقط من عدا الولادة وتفرد بالتعصيب كالابن ، ولأن للجد تعصيبا ورحما يرث بكل واحد منهما منفردا ، فكان أقوى من الأخ الذي ليس يدلي إلا بالتعصيب وحده ، قالوا : ولأن الجد يدلي بابن والأخ يدلي بالأب ، والابن أقوى من الأب ، فكان الإدلاء بالابن أقوى من الإدلاء بالأب ، ولأن للجد ولاية يستحقها بقوته في نكاح الصغيرة وعلى مالها ويضعف الأخ بما قصر فيها .
قالوا : ولأن الأخ لو قاسم الجد كالأخوين لوجب أن يقتسمها في كل فريضة ورث فيها جد كما يقاسم الأخ الأخ في كل فريضة ورث فيها أخ ، فلما لم يقاسمه في غير هذا الموضع لم يقاسمه في هذا الموضع .
قالوا : ولأن
الجد في مقاسمة الإخوة لا يخلو من ثلاثة أحوال : إما أن يكون كالأخ للأب والأم ، أو كالأخ للأب أو أقوى منهما ، وليس يجوز أن يكون أضعف منهما : لأنه لا يسقط بهما ، فلو كان كالأخ للأب والأم لم يرث معه الأخ للأب ، ولو كان كالأخ للأب لما ورث مع الأخ للأب والأم ، وإذا امتنع بما ذكرنا أن يكون كأحدهما ثبت أنه أقوى منهما ، والله أعلم .
[ ص: 123 ]