الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " وإن تزوج امرأة ، ثم طلقها قبل أن يدخل بها ، لم تحل له ؛ لأنها مبهمة وحلت له ابنتها : لأنها من الربائب ، وإن دخل بها لم تحل له أمها ، ولا ابنتها أبدا " .

قال الماوردي : أما الربائب ، فقد ذكرنا أنهن بنات الزوجات إحداهن ربيبة ، وفي تسميتها بذلك وجهان :

إحداهما : لأنه تكون في الأغلب في تربيته وكفالته .

والثاني : لأنها ترب الدار ، أي تدبرها وتعنى بها ، فإذا تزوج الرجل امرأة حرم عليه بالعقد عليها ثلاثة أصناف من مناسبها : صنف أعلى وهن الأمهات ، وصنف أدنى وهن البنات وصنف مشاركات وهن الأخوات والعمات والخالات ، فكلهن محرمات عليه ما كان العقد عليها باقيا ، فإذا ارتفع عنها بموت أو طلاق أو فسخ انقسمت أحوال هؤلاء المحرمات ثلاثة أقسام :

قسم يحللن له بعد ارتفاع العقد عن زوجته ، سواء دخل بها أم لا ، وهن الأخوات والعمات والخالات : لأن تحريمهن تحريم جمع لا تحريم تأبيد .

وقسم ثان لا يحللن له ، وإن ارتفع العقد عن زوجته سواء دخل بها أم لا ، وهن الأمهات : لأنهن يحرمن بالعقد تحريم تأبيد .

وقسم ثالث : يحللن بعد ارتفاع العقد عن زوجته إن لم يكن قد دخل بها ، ويحرمن عليه إن كان قد دخل بها ، وهن البنات : لأنهن يحرمن بالعقد تحريم جمع ، وبالدخول تحريم تأبيد ، بخلاف الأمهات المحرمات بالعقد تحريم تأبيد . وهو قول جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء .

وحكي عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن الزبير ، ومجاهد أن الأمهات [ ص: 207 ] كالبنات الربائب لا يحرمن إلا بالدخول .

وحكي عن زيد بن ثابت أنه إن طلق الزوجة لم تحرم الأم إلا بالدخول كالربيبة ، وإن ماتت حرمت الأم ، وإن لم يدخل بها بخلاف الربيبة : لأن الموت في كمال المهر كالمدخول ، واستدلالا في إلحاق ابنتها بالربائب في تحريمهن بالدخول بقوله تعالى : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم [ النساء : 23 ] فذكر جنسين هما الأمهات والربائب ، ثم عطف عليهما اشتراط الدخول في التحريم ، فاقتضى أن يكون راجعا إلى المذكورين معا ، ولا يختص بالرجوع إلى أحدهما ، وهو للشافعي ألزم : لأنه يقول : إن الشرط والكتابة والاستثناء إذا تعقب جملة رجع إلى جميعها ، ولم يختص بأقرب المذكورين منها ، كما لو قال رجل : امرأتي طالق وعبدي حر ، والله لا دخلت الدار إن شاء الله ، كان الاستثناء بمشيئة الله راجعا إلى الطلاق والعتق واليمين ، ولم يختص عنده برجوعه إلى اليمين ، كذلك يلزمه أن لا يجعل اشتراط الدخول راجعا إلى الربائب دون الأمهات حتى يكون راجعا إليهما معا .

والدليل على صحة ما ذهبنا إليه والجماعة - من اشتراط الدخول في الربائب دون الأمهات - قوله تعالى : وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [ النساء : 23 ] فكان الدليل من هذه الآية على أن شرط الدخول عائد إلى الربائب دون الأمهات من خمسة أوجه :

أحدها : قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [ النساء : 23 ] وليست أم الزوجة منها ، وإنما الربيبة منها ، فدل على أن الدخول مشروط في الربيبة : لأنها من الزوجة دون الأم التي ليست من الزوجة .

والثاني - هو ما ذكره سيبويه - : أن الشرط والاستثناء إنما يجوز أن يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره إذا حسن أن يعود إلى كل واحد منهما على الانفراد ، وإن لم يحسن لم يعد إلى الأقرب ، وهو لو قال : وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، لم يحسن فلم يعد إليه .

والثالث - وهو ما قاله المبرد - : أنه إذا اختلف العامل في إعراب الجملتين لم يعد الشرط إليهما ، وعاد إلى أقربهما ، وإن لم يختلف العامل في إعرابهما عاد إليهما ، والعامل هاهنا في إعراب الجملتين مختلف ، فذكر النساء مع الأمهات مجرور بالإضافة لقوله : وأمهات نسائكم وذكر النساء من الربائب مجرور بحرف الجر ، وهو قوله : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم فلما اختلف عامل الجر في الموضعين لم يجز أن يعود الشرط إليهما وعاد إلى أقربهما :

والرابع : أن الأمر قد تقدمها مطلق وتعقبها مشروط ، فكان إلحاقها بالمطلق المتقدم أولى من إلحاقها بالمشروط المتأخر .

والخامس : أن المطلق أعم ، والمشروط أخص ، فكان إلحاق المبهم بالمطلق الأعم أولى من إلحاقه بالمشروط الأخص ، ويدل عليه من طريق السنة ما رواه المثنى بن الصباح ، [ ص: 208 ] عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه بنتها .

وروى الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا تزوج الرجل امرأة ثم ماتت قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه بنتها . وهذا نص ، ولأن في الأمهات من الرقة والمحبة لبناتهن ما ليس في البنات لأمهاتهن .

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : يا رسول الله ، ما لنا نرق على أولادنا ولا يرقون علينا ، قال : لأننا ولدناهم ولم يلدونا ، فلما كانت الأم أكثر رقة وحبا لم تنفس على بنتها بعدول الزوج إليها ، فجاز أن يكون الدخول بالأم مشروطا في تحريم البنت : لأنها ربما رضيت بالزوج بعد دخوله بها ما لم تضمن به قبله وليس كذلك البنت : لأنها لما كانت أقل رقة وحبا نفست على أمها بعدول الزوج إليها فأفضى إلى القطيعة والعقوق قبل الدخول كإفضائه بعده ، فلم يجعل الدخول شرطا .

فأما الآية فقد ذكرنا وجه دلائلنا منها ، وإنما الاستشهاد بعود الاستثناء إلى ما تقدم من الطلاق والعتق واليمين ، فلأنه يصح أن يرجع الاستثناء إلى كل واحد من الجملة المتقدمة ، فجاز مع الإطلاق أن يرجع إلى جميعها ، وليس كذلك هاهنا لما بيناه .

التالي السابق


الخدمات العلمية