الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فإذ تقرر ما وصفنا من الزنا لا يحرم النكاح ، فجاءت الزانية بولد من زنا كان ولد الزانية دون الزاني : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر وإنما لحق بها دونه : لأنه مخلوق منهما عيانا ، ومن الأب ظنا ، فلحق بها ولد الزنا والنكاح لمعاينة وضعهما لهما ، ولحق بالأب ولد النكاح دون الزنا لغلبة الظن بالفراش في النكاح دون الزنا ، وإذا لم يلحق ولد الزنا بالزاني ، وكانت ثيبا جاز للزاني أن يتزوجها عند الشافعي ، وإن كره له أن يتزوجها ، واختلف أصحابنا في معنى الكراهية .

فقال بعضهم : لاختلاف الفقهاء في إباحتها ، وكره استباحته مختلف فيها .

وقال آخرون : بل كره نكاحها : لجواز أن تكون مخلوقة من مائه .

وقال أبو حنيفة : قد حرم على الزاني نكاحها . واختلف أصحابه في معنى تحريمها :

فقال متقدموهم : لأنها بنت امرأة قد زنا بها ، فتعدى تحريم المصاهرة إليها ، فعلى هذا يكون فرعا على الخلاف الماضي .

وقال متأخروهم : بل حرصا : لأنها بنته مخلوقة من مائه فعلى هذا يكون خلافا مستأنفا ، واستدلوا فيه بقول الله تعالى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم [ النساء : 23 ] وهذه بنته : لأن العرب تسميها بنتا ، ولا يعتبر عقد النكاح .

قالوا : ولأنها مخلوقة من مائه في الظاهر ، فوجب أن تحرم عليه كالمولودة من زوجه أو أمه : ولأن ولد الزنا مخلوق من ماء الرجل الزاني والزانية ، فلما حرم ولد الزنا على الزانية وجب أن يحرم على الزاني قياسا على ولد الشبهة .

ولأنها مخلوقة من مائه ، فلم يكن نفيها عنه يمانع من تحريمها عليه قياسا على ولد الملاعنة .

ودليلنا : هو أن تحريم الولد حكم من أحكام النسب ، فوجب أن ينتفي عن ماء الزاني كالميراث ، ولأنه لما كان لحوق النسب بالزانية يوجب أن يتبعه التحريم كما تبعه الميراث وجب إذا انتفى النسب عن الزاني أن يتبعه التحريم كما تبعه الميراث ، وقد يتحرر من هذا الاعتلال قياسان :

[ ص: 219 ] أحدهما : أنه تحريم نسب ، فوجب أن يكون تابعا للنسب كاتباعه في حق الأم .

والثاني : أنه تابع للنسب في الثبوت ، فوجب أن يكون تابعا له في النفي كالميراث ، ولا مدخل على هذا ولد الملاعنة لما سنذكره : ولأن ولد الزنا لو حرمت على الزاني بالبنوة لحرمت على أبيه وابنه بحكم البنوة والأخوة ، وفي إباحتها لهما دليل على إباحتها للزاني .

فأما استدلالهم بالآية ، فليست هذه من بناته ، فتدخل في آية التحريم كما لم تكن من بناته في آية المواريث بقوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر [ النساء : 11 ] الآية .

وأما قياسهم أنها مخلوقة من مائه ، فهذا غير معلوم ، فلم يسلم ، ثم لما لم يمنع خلقها من مائه أن لا يتعلق به نسب ولا ميراث لم يمنع أن يتعلق به تحريم .

فأما قياسهم على ولد الشبهة فالمعنى فيه : أنه لما ثبت نسبه وميراثه ثبت تحريمه ، وولد الزنا بخلافه .

وأما قياسهم على ولد الملاعنة ، فالحكم في ولد الملاعنة أنه إن كان قد دخل بأمها حرمت عليه أبدا : لأنها بنت امرأة قد دخل بها ، وإن كان ما دخل بها ، ففي تحريمها عليه وجهان ؛ حكاهما أبو حامد الإسفراييني :

أحدهما : لا يحرم عليه كولد الزنا ، فعلى هذا بطل القياس .

والوجه الثاني : أنها تحرم عليه : لأنه لو اعترف بها بعد الزنا لحقت ، وولد الزنا لو اعترف به لم يلحق ، فصار ولد الزنا مؤبدا ، ونفي ولد الملاعنة غير مؤبد ، فافترقا في النفي ، فكذلك ما افترقا في الحكم .

التالي السابق


الخدمات العلمية