الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وأما الضرب الثاني : وهو أن يكون مع الإماء حرة : فقد تزوجها المشرك مع الإماء في الشرك ثم أسلم ، فهذا على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن تسلم الحرة دون الإماء فنكاح الحرة ثابت ، ونكاح الإماء باطل بإسلام الزوج مع الحرة وبآخرهن .

والقسم الثاني : أن يسلم الإماء دون الحرة فنكاح الحرة قد بطل بتأخرها ، ونكاح الإماء معتبر باجتماع إسلامهن مع الزوج ، فإن كان موسرا بطل نكاحهن : لأنه لما لم يجز في هذه الحال أن يبتدئ نكاح أمة ، لم يجز أن يختار نكاح أمة ، وإن كان معسرا يخاف العنت كان له أن يختار نكاح واحدة منهن : لأنه يجوز أن يبتديه ، فجاز أن يختاره لأنه ما لم تنقض عدة الحرة في الشرك اختار حينئذ من الإماء واحدة ، وانفسخ نكاح من سواها من وقت اختياره فاستأنفن عدد الفسخ ، فلو صار وقت اختياره موسرا وقد كان وقت اجتماع إسلامه وإسلامهن معسرا ، صح اختياره : اعتبارا بحاله عند اجتماع الإسلامين : لأنه الوقت الذي استحق فيه الاختيار .

والقسم الثالث : أن تسلم الحرة والإماء جميعا ، فهذا على ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يجتمع إسلام الحرة والإماء في حالة واحدة ، فيثبت نكاح الحرة ، وينفسخ نكاح الإماء من وقت إسلامهن مع الحرة : لأنه لا يجوز أن يختار نكاح أمة مع وجود حرة ، كما لا يجوز أن يبتدئه .

والقسم الثاني : أن تسلم الحرة قبل الإماء ، فنكاح الحرة ثابت ، ونكاح الإماء باطل ، ثم ينظر في إسلامهن ، فإن كان بعد انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الزوج وتأخرهن ، وإن أسلمن قبل انقضاء عددهن وقع الفسخ بتقدم إسلام الحرة ، فعلى هذا لو كانت الزوجة الحرة حين أسلمت ماتت ثم أسلم الإماء في عددهن .

قال أبو حامد الإسفراييني : نكاحهن باطل : لأن نكاحهن قد انفسخ بإسلام الحرة ، فلم يعد إلى الصحة بموتها ، وهذا عندي غير صحيح بل يجب أن يكون موقوفا يختار واحدة [ ص: 268 ] منهن : لأن إسلام الحرة معه قبل إسلام الإماء يجري مجرى يساره في تحريم الإماء ، فلما لم يعتبر يساره إلا عند إسلام الإماء وجب أن لا يعتبر وجود الحرة إلا عند إسلام الإماء .

والقسم الثالث : أن يسلم الإماء قبل الحرة فيعتبر حال الزوج عند إسلامهن ، فإن كان موسرا بطل نكاح الإماء مع إسلامهن واستأنفن عدد الفسخ ، وإن كان معسرا يخاف العنت كان نكاح الإماء معتبرا بإسلام الحرة ، وهو فيهن مخير بين أمرين .

إما أن يتركهن على حالهن ترقبا لإسلام الحرة ، فإن أسلمت بعد انقضاء عدتها اختار من الإماء واحدة ، وانفسخ نكاح البواقي من وقت اختياره ، وإن أسلمت الحرة في عدتها انفسخ نكاح الإماء من وقت إسلامها ، فهذا أحد خياريه .

والخيار الثاني : أن يمسك الزوج من الإماء واحدة يترقب بها إسلام الحرة ، ويفسخ نكاح من سواها من الإماء : ليتعجلن الفسخ إذ ليس له أن يقيم على أكثر من واحدة ، فإذا فعل ذلك انفسخ نكاح من عدا الواحدة من وقت فسخه ، وكان نكاح الواحدة معتبر بإسلام الحرة ، فإن أسلمت في عدتها ثبت نكاحها وانفسخ نكاح الأمة ، وإن أسلمت بعد انقضاء عدتها بطل نكاحها ، وثبت نكاح الأمة ، ولا يكون ثبوته باختيار متقدم ولكن لأنه ليس معه غيرها ، فعلى هذا لو طلق الحرة في الشرك قبل إسلامها ثم أسلمت ، نظر : فإن كان إسلامها بعد العدة لم يقع طلاقها ، وانفسخ نكاحها بإسلام الزوج وثبت نكاح الأمة ، وإن كان إسلامها في العدة وقع الطلاق عليها : لأنها زوجة ، وانفسخ بإسلامها نكاح الأمة فيصير إسلامها وإن كانت مطلقة موجبا لفسخ نكاح الأمة : لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة ، والأمة لا يثبت اختيار نكاحها مع حرة ، هذا جواب أصحابنا على الإطلاق .

وعندي أنه يجب أن يكون معتبرا بزمان الطلاق ، فإن كان قد طلقها قبل إسلام الإماء جاز له أن يقيم على واحدة منهن : لأن الحرة وإن أسلمت في عدتها ، فقد وقع الطلاق عليها قبل إسلام الإماء ، فصرن عند إسلامهن لا حرة معهن ، وإن كان طلاق الحرة بعد إسلام الإماء ، فعلى ما قاله أصحابنا من اعتبار إسلام الحرة قبل العدة وبعدها ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية