الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : القسم الثالث : [ أن يطلقها بعد تعليمها البعض ]

والقسم الثالث : أن يطلقها بعد أن علمها بعض القرآن وبقي بعضه ، فلا يخلو حال طلاقه من أحد أمرين : إما أن يكون قبل الدخول ، أو بعده .

فإن كان بعد الدخول : فقد استقر لها جميعه .

فإن قلنا : يعلمها بعد الطلاق ، فعليه تعليمها ما بقي من القرآن حتى تستوفي به جميع الصداق .

وإن قلنا : لا يجوز أن يعلمها بعد الطلاق ترتب ذلك على اختلاف أصحابنا في تجزئة القرآن .

فإن قلنا : إنه متساوي الأجزاء سقط عنه من الصداق بقدر ما علم ، كأنه علمها النصف ، فيسقط عنه نصف المهر ، وترجع ببدل نصفه الباقي على القولين :

أحدهما - وهو القديم - : بنصف أجرة التعليم .

والثاني - وهو الجديد - : بنصف مهر المثل .

وإن قلنا : إنه غير متساوي الأجزاء . ترتب ذلك على اختلاف قوليه فيما ترجع به عليه من بقية صداقها .

فإن قيل بالقديم : أنها ترجع عليه بالباقي من أجرة مثل التعليم سقط هاهنا عنه من الصداق بقدر أجرة ما علم ، وبنى لها عليه بقدر أجرة مثل ما بقي على ما سنذكره من تقسيط ذلك على الأجرة لا على الأجزاء .

وإن قيل بالجديد : إنها ترجع عليه بالباقي من مهر مثلها سقط عنه من النصف نصفه وهو الربع ؛ لأن أجزاء النصف الذي علمها قد لا تماثل أجزاء النصف الباقي لها ، فلذلك سقط عنه نصف ما علمها وهو الربع ؛ لأنه مماثل لحقها ، ورجع عليها بأجرة نصف ما علمها وهو الربع ، ورجعت هي عليه بالباقي لها وهو ثلاثة أرباع مهر المثل .

وإن كان الطلاق قبل الدخول فلها نصف الصداق ، ولا يخلو ما علمها من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون قد علمها منه النصف .

والثاني : أكثر من النصف .

والثالث : أقل من النصف .

[ ص: 415 ] فإن علمها منه النصف : ترتب ذلك على اختلاف أصحابنا في تساوي الأجزاء .

فإن قيل : إنها متساوية فقد استوفت بالنصف حقها ، ولا تراجع بينهما .

وإن قيل : إنها مختلفة ترتب ذلك على اختلاف قوليه فيما ترجع به عند فوات الصداق .

فإن قيل بالقديم : إنها ترجع بأجرة التعليم تقسط ذلك على الأجرة لا على الأجزاء .

مثاله : أن يقول كم تساوي أجرة مثل تعليم القرآن ؟ فإذا قيل : عشرة دنانير . قيل : فكم تساوي أجرة مثل النصف الذي علمها ؟ فإن قيل : ستة دنانير ؛ لأنه أصعب النصفين ، صارت مستوفية لأكثر من حقها فيرجع عليها بالفاضل وهو دينار ، وإن قيل : أجرة النصف الذي علمها أربعة دنانير ؛ لأنه أخف النصفين صارت آخذة أقل من حقها ، فترجع عليه بالباقي وهو دينار .

فأما إذا قيل بالجديد : إنها ترجع بمهر المثل سقط عنه من النصف الذي علمها نصفه وهو الربع ، ورجع عليها بأجرة مثل تعليم الربع ، ورجعت عليه بربع مهر مثلها .

وإن كان قد علمها أكثر من النصف كأنه علمها الثلثين من القرآن ، فإن قلنا : إنه متساوي الأجزاء ، فقد استوفت بالنصف منه حقها ، وكان له أن يرجع عليها بأجرة مثل الباقي وهو السدس ، وإن قلنا : إنه غير متساوي الأجزاء ترتب على ما ذكرناه من القولين :

فإن قيل بالقديم : إن الرجوع يكون بأجرة المثل ، نظر أجرة مثل التعليم ؛ فإذا قيل : عشرة دنانير ، نظر أجرة مثل الثلثين الذي علمها ؛ فإن كانت خمسة دنانير فقد استوفت حقها ولا تراجع بينهما ، وإن كانت سبعة رجع عليها بدينارين ، وإن كانت أربعة رجعت عليه بدينار وإن قيل بالجديد : إن الرجوع يكون بمهر المثل سقط عنه من الصداق الثلث ، وهو نصف ما علم ورجع عليها بأجرة مثل الثلث الباقي ، ورجعت عليه بتمام النصف من صداقها وهو سدس مهر المثل .

وإن كان قد علمها أقل من النصف كأنه علمها الثلث .

فإن قلنا : إن القرآن متساوي الأجزاء ، وأنه يجوز أن يعلمها بعد الطلاق ، فعليه أن يعلمها تمام النصف ، وقد استوفت .

وإن قلنا : إنه متساوي الأجزاء ، وأنه لا يجوز أن يعلمها سقط عنه من الصداق بقسط ما علم وهو الثلث ، وبقي لها تمام النصف وهو السدس ، فترجع عليه في قوله القديم بالسدس من أجرة المثل ، وعلى قوله في الجديد بالسدس من مهر المثل .

وإن قلنا : إن القرآن غير متساوي الأجزاء ترتب على ما ذكرنا من القولين .

فإن قيل : إن الرجوع يكون بأجرة المثل ، قومت أجرة الجميع على ما وصفنا ، فإذا [ ص: 416 ] قيل : عشرة نظرت أجرة الثلث ، فإن قيل : خمسة ، فقد استوفت ، وإن قيل : ثلاثة ، رد عليها دينارين ، وإن قيل : ستة ، ردت عليه دينارا .

وإذا قيل : إن الرجوع يكون بمهر المثل سقط عنه من الصداق نصف الثلث وهو السدس ، ورجع عليها بأجرة مثل السدس الباقي ، ورجعت عليه ببقية النصف من الصداق وهو ثلث مهر المثل .

وهذا الكلام في أحد فصلي المسألة ، وأرجو ألا يكون قد خرج بنا الاستيفاء إلى الإغماض .

التالي السابق


الخدمات العلمية