الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : [ القسم الثاني ] .

وأما القسم الثاني ، وهو أن يكون الصداق قد تلف ، فهذا على ضربين :

أحدهما : [ إيضاح الضرب الأول ]

أن يتلف قبل أن يحدث منه نماء كعبد مات ، أو دابة نفقت ، ففيما تستحقه الزوجة قولان :

أحدهما - وهو الجديد - : مهر المثل ، فعلى هذا يكون الصداق تالفا على ملك الزوج ، سواء تلف بحادث سماء ، أو جناية آدمي ، ثم ينظر في الطلاق ؛ فإن كان قبل الدخول فلها نصف مهر المثل .

وإن كان بعد الدخول فلها جميعه ، ويعتبر به مهر مثلها وقت العقد ، لا وقت الطلاق ، ولا وقت تلف الصداق ؛ لأن تلف الصداق يدل على وجوب مهر المثل بالعقد دون الطلاق .

والقول الثاني - وهو القديم - : أنها ترجع عليه بقيمة الصداق ، فعلى هذا يكون الصداق تالفا على ملكها .

ولا يخلو حال تلفه من ثلاثة أقسام : إما أن يكون بحادث سماء ، أو بجناية منه ، أو بجناية من أجنبي .

فإن كان بحادث سماء : ففي كيفية ضمانه قولان :

أحدهما : يضمنه ضمان عقد ، فعلى هذا عليه قيمته يوم أصدق .

والقول الثاني : ضمان غصب ، فعلى هذا عليه قيمته أكثر ما كان قيمته من وقت العقد أو وقت التلف .

وإن كان تلفه بجناية منه : فإن قيل إن ضمانه غصب ضمنه بأكثر قيمته في الأحوال كلها .

وإن قيل إن ضمانه ضمان عقد فعليه أكثر القيمتين من وقت العقد أو وقت التلف قولا [ ص: 425 ] واحدا ؛ لأنه إن كانت قيمته وقت العقد أكثر فهي مضمونة عليه بالعقد ، وإن كانت وقت التلف أكثر فهي مضمونة عليه بالجناية ، ولا يضمن زيادته فيما بين العقد والجناية .

وإن كان تلفه بجناية أجنبي ، فلا تخلو قيمته وقت العقد ووقت الجناية من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكونا سواء .

والثاني : أن يكون وقت العقد أكثر .

والثالث : أن يكون وقت الجناية أكثر .

فإن استوت قيمته في الحالين كعبد كانت قيمته ألف درهم وقت العقد ووقت الجناية ، فالزوج ضامن لها في حق الزوجة بالعقد ، والجاني ضامن لها في حق الزوج والزوجة بالجناية ، وللزوجة الخيار في مطالبة الزوج بها أو الجاني .

فإن طالبت الزوج بها ، وكان الطلاق بعد الدخول دفع إليها جميع القيمة ، ورجع على الجاني بجميع القيمة .

وإن أرادت الزوجة في الابتداء أن تطالب بها الجاني دون الزوج كان لها ذلك .

فإن كان طلاقها بعد الدخول رجعت عليه بجميع القيمة وبرئا من حقها ، وبرئ الجاني من حقهما .

وإن كان الطلاق قبل الدخول : رجعت عليه بنصف القيمة وبرئ الزوج والجاني من حقها ، ورجع الزوج على الجاني بباقي القيمة وهو النصف الذي ملكه الزوج بطلاقه .

وإن كانت قيمة الصداق وقت العقد أكثر منها وقت الجناية كأنه عبد قيمته وقت العقد ألف ، ووقت الجناية خمسمائة ، فالجاني ضامن بخمسمائة ؛ لأنها قيمته وقت جنايته ، والزوج ضامن لجميع الألف ؛ لأنها قيمته وقت عقده .

فإن كان طلاقها بعد الدخول : كانت بالخيار بين أن ترجع على الزوج ، فترجع عليه بجميع الألف ، وقد استحقته ، ويرجع الزوج على الجاني بخمسمائة ، وبين أن ترجع على الجاني بخمسمائة وعلى الزوج بخمسمائة وليس للزوج أن يرجع بها على الجاني بشيء .

وإن كان طلاقها قبل الدخول : كانت بالخيار بين أن ترجع على الزوج بنصف الألف وهي خمسمائة ، ويرجع الزوج على الجاني بخمسمائة ، وتكون الخمسمائة التي هي فاضل القيمة المضمونة على الزوج في مقابلة ما استحقه من نصف الصداق ، وبين أن ترجع على الجاني بالخمسمائة كلها ، وقد استحقت بها نصف قيمة صداقها وقت العقد ، ويكون ما ضمنه من فاضل القيمة في مقابلة ما استحقه بطلاقه .

وإن كانت قيمة الصداق وقت الجناية أكثر ، كأنه عبد قيمته وقت العقد خمسمائة ووقت الجناية ألف ، فالجاني ضامن للألف ، وفيما يضمنه الزوج قولان :

[ ص: 426 ] أحدهما : خمسمائة إذا قيل : إنه يضمنه ضمان عقد .

والثاني : ألف إذا قيل : إنه يضمنه ضمان غصب .

فإذا قيل : إن الزوج يضمن جميع الألف ضمان الغصب ، كانت مخيرة إن كان طلاقها بعد الدخول في رجوعها بالألف على من شاءت من الزوج أو الجاني ، ثم ( الكلام في التراجع ) على ما مضى .

وإن كان طلاقها قبل الدخول رجعت بنصف الألف على من شاءت منهما ، فإن رجعت بها على الزوج ، رجع الزوج على الجاني بالألف كلها ، وإن رجعت بها على الجاني ، رجع الزوج على الجاني بخمسمائة بقية الألف .

فإن قيل : إن الزوج يضمن خمسمائة ضمان العقد نظر :

فإن كان طلاقها بعد الدخول ، فإن شاءت الرجوع على الجاني رجعت عليه بجميع الألف وقد برئ ، وإن شاءت الرجوع على الزوج لم ترجع عليه إلا بخمسمائة ؛ لأنه لم يضمن أكثر منها ، ورجعت على الجاني بخمسمائة بقية الألف ورجع الزوج على الجاني بالخمسمائة الباقية من الألف .

وإن كان طلاقها قبل الدخول ، فإن شاءت الرجوع على الجاني رجعت عليه بنصف الألف ، ورجع الزوج عليه بخمسمائة بقية الألف ، وإن شاءت الرجوع على الزوج لم ترجع عليه إلا بنصف الخمسمائة ، ورجعت على الجاني بمائتين وخمسين بقية نصف الألف ، ورجع الزوج على الجاني بسبعمائة وخمسين بقية الألف .

[ إيضاح الضرب الثاني ]

والضرب الثاني في الأصل : أن يكون قد حدث من الصداق قبل تلفه نماء ، كولد أمة ، ونتاج ماشية ، فهو معتبر بما ترجع به الزوجة من بدل الصداق .

فإن قيل : إنها ترجع على الزوج بقيمته ، فالنماء لها لحدوثه عن ملكها .

وإن قيل : إنها ترجع على الزوج بمهر مثلها ، ففي النماء وجهان :

أحدهما : أنه للزوج ؛ لأن الرجوع عند تلفه إلى بدل ما في مقابلته موجب لرفعه من أصله ، فكأنها لم تملكه فلم تملك نماءه .

والوجه الثاني : أنه للزوجة ؛ لأنه حدث عن أصل كان في ملكها إلى وقت التلف ، ولا يصح أن يستحدث الزوج ملكه بعد التلف .

التالي السابق


الخدمات العلمية