الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : والدليل على صحة قوله في الجديد : أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج دون الولي : الآية ، ومنها خمسة أدلة :

أحدها : قوله تعالى : أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح والعقدة عبارة عن الأمر المنعقد ، ومنه حبل معقود ، وعهد معقود ، لما قد استقر عقده ونجز ، والنكاح بعد العقد يكون بيد الزوج دون الولي .

والثاني : أنه أمر بالعفو ، قال الشافعي : وإنما يعفو من ملك ، والزوج هو المالك دون الولي ، فاقتضى أن يتوجه الخطاب بالعفو إليه لا إلى الولي .

والثالث : أن حقيقة العفو هو الترك ، وذلك لا يصح إلا من الزوج ؛ لأنه ملك بالطلاق أن يتملك نصف الصداق ، فإذا ترك أن يتملك لم يملك ، فأما الولي فعفوه إما أن يكون هبة إن كان عينا ، أو إبراء إن كان في الذمة ، فصار حقيقة العفو أخص بالزوج من حمله على المجاز في الولي .

والرابع : أنه إذا توجه بالعفو إلى الزوج كان محمولا على عمومه في كل زوج مطلق ، وإذا توجه إلى الولي كان محمولا على بعض الأولياء في بعض الزوجات وهو الأب والجد من بين سائر الأولياء مع الصغيرة البكر التي لم يدخل بها دون سائر [ ص: 516 ] الزوجات ، فكان حمل الخطاب على ما يوجب العموم أولى من حمله على ما يوجب الخصوص .

والخامس قوله : وأن تعفوا أقرب للتقوى وهذا الخطاب غير متوجه إلى الولي ؛ لأن قربه من التقوى أن يحفظ مال من يلي عليه لا أن يعفو عنه ويبرأ منه ، فدل على أنه الزوج دون الولي ، وهو راجع على ما تقدمه ، فاقتضى أن يكون المتقدم قبله الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج .

ويدل عليه من طريق السنة : ما رواه ابن لهيعة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولي عقد النكاح الزوج ، وهذا نص .

ولأنه إجماع الصحابة ، روى شريح ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج .

وروى أبو سلمة ، عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني فهر ، فطلقها قبل الدخول بها ، وأرسل إليها صداقها كاملا ، وقال : أنا أحق بالعفو منها ؛ لأن الله تعالى يقول : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح .

وهذا قول صحابيين ، فإن قيل : خالفهما ابن عباس .

قيل : قد اختلفت عنه الرواية فتعارضتا ، وثبت خلافه ، فصار الإجماع بغيره منعقدا .

ومن طريق الاستدلال أن الزوجين متكافئان فيما أمرا به وندبا إليه ، فلما ندبت الزوجة إلى العفو ؛ ترغيبا للرجال فيها ، اقتضى أن يكون الزوج مندوبا إلى مثله ؛ ترغيبا للنساء فيه ، ولأنه لو ملك الأب العفو لملكه غيره من الأولياء ، ولو ملكه في البكر لملكه في الثيب ، ولو ملكه قبل الدخول لملكه بعده ، ولو ملكه بعد الطلاق لملكه قبله ، ولو ملكه في المهر لملكه في الدين .

وتحريره قياسا : أن من لم يملك العفو عن مهرها إذا كانت ثيبا لم يملكه إذا كانت بكرا كالإخوة والأعمام طردا ، وكالسيد في أمته عكسا .

فإن قيل : فإنما اختص به الأب في البكر ؛ لاختصاصه بإجبارها على النكاح .

قيل : قد يملك إجبار المجنونة والبكر ، ولا يملك العفو عن صداقها ، ولأن من لم يملك العفو عن المهر بعد الدخول لم يملكه قبله ، كالصغيرة طردا والكبيرة عكسا .

فإن قيل : إنما لم يملكه بعد الدخول لاستهلاك بضعها بالدخول .

قيل : لا فرق في رد عفوه بين ما كان في مقابلة رد بدل كالثمن ، وبين ما كان بغير بدل كالميراث .

[ ص: 517 ] ولأنه مال للمولى عليه فلم يكن لوليه العفو عنه كالثمن .

فإن قيل : إنما عفا عن المهر ؛ لأنه أفادها إياه .

قيل : لو اتجر لها بمال لم يكن له أن يعفو عن ربحه وإن أفادها إياه .

التالي السابق


الخدمات العلمية