الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " وسواء كان ذلك عند غضب أو مسألة طلاق أو رضا وقد يكون السبب ويحدث كلام على غير السبب " .

قال الماوردي : أما صريح الطلاق ، فيستوي حكمه في الغضب والرضا ، وعند مسألة الطلاق ، وفي الابتداء وهذا متفق عليه . وأما كنايات الطلاق فحكمها عندنا في الغضب والرضا سواء .

وعند مسألة الطلاق وفي الابتداء أنه لا يقع إلا بنيته وإرادته .

وقال أبو حنيفة ومالك : إن لم يقترن بالكنايات سبب ، من غضب أو طلب فلم يقع بها الطلاق إلا مع النية ، وإن قارنها سبب من طلب أو غضب فعند مالك يقع الطلاق بجميعها من غير نية ، وعند أبي حنيفة : يقع الطلاق بستة ألفاظ منها بغير نية ، [ ص: 156 ] وهي قوله : أنت خلية أو برية أو بتة ، أو بائن أو حرام أو أمرك بيدك ، ولا يقع بغيرها من الكنايات إلا مع النية ، على ما سنذكره في موضعه ، استدلالا بأن دلالة الحال تصرف الكلام عن حقيقته وموضوعه إلى غيره ، وتخصه بحكم دون حكم ، استشهادا بأن الخلع لو اقترن به العوض كان صحيحا ، ولو تجرد عن العوض كان كناية ، فاختلف حكمه بالقرينة ، كذلك سائر الكنايات ، ولأنه لما كان جزاء الشرط مقصورا عليه ، وجب أن يكون الحكم عن سبب محمولا عليه .

قال : ولأنه لفظ من ألفاظ الطلاق ، ورد على طلب الطلاق ، فوجب أن يكون طلاقا كالفراق والسراح .

ودليلنا ما روي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة ، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : طلقت امرأتي البتة ، فقال له : ما أردت بها ، فقال والله ما أردت إلا واحدة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : آلله إنك ما أردت إلا واحدة ؟ فقال : والله ما أردت إلا واحدة . فرجع فيه إلى إرادته ، ولو اختلف حكمه بالسبب ، أو عند الغضب والطلب ، لسأله عنه ولبينه له . ولأن الأحكام لا تختلف بالغضب والرضا كسائر الأحكام ، ولأن الكناية أحد نوعي الطلاق فلم تختلف بالرضا والغضب كالصريح ، ولأنها كناية لم تقترن بنية الطلاق ، فلم يكن طلاقا كالرضا وعدم الطلب .

فأما الاستدلال بأن دلالة الحال ، تصرف الكلام عن حقيقته وموضوعه ، فقد قال الشافعي : إن الأسباب متقدمة والأيمان بعدها محدثة ، وقد يخرج على مثالها وعلى خلافها ، فأخذته لمخرج يمينه ، فإذا كان لفظه عاما ، لم أعتبر بخصوص السبب . وإذا كان لفظه خاصا لم أعتبر بعموم السبب ويرجع عن نية الطلاق في حال الغضب وفي استشهاده كلام مضى ، في موضعه يمنع به من صحة الاستشهاد .

وأما قياسهم على الفراق والسراح فلأنهما صريحان في الرضا والغضب كـالطلاق .

وأما الشرط والجزاء مخالف للحكم والسبب لأمرين :

أحدهما : اتصال الشرط وانفصال السبب .

والثاني : أن الشرط منطوق به فلم يدخله احتمال ، والسبب غير منطوق به ، فدخله الاحتمال والله أعلم . [ ص: 157 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية