الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وإذا قال لها : إن طلقتك واحدة ، أملك فيها الرجعة ، فأنت طالق قبلها ثلاثا ، فطلقها واحدة ، فإن كانت غير مدخول بها طلقت واحدة ولم يوجب وقوعها وقوع ثلاث قبلها ، لأنه شرط في وقوع الثلاث ، بثبوت الرجعة في الواحدة ، وغير المدخول بها لا رجعة في طلاقها ، فلم يوجد شرط الثلاث فيها ، فوقعت الواحدة ، ولم تقع الثلاث ، وهذا مما يختلف أصحابنا فيه ، فأما إن كانت مدخولا بها ، ملك بعد الواحدة رجعتها ، فقد وجد شرط الثلاث فيها ، فاختلف أصحابنا في وقوع الطلاق عليها على ثلاثة أوجه :

أحدها : وهو مذهب المزني أنه لا يقع عليها الطلاق لا الواحدة المتأخرة ، ولا الثلاث المعلقة بالصفة ، لأن وقوع الناجزة توجب وقوع ثلاث قبلها بالصفة ، ووقوع الثلاث من قبل تمنع من وقوع الواحدة من بعده ، فنفى كل واحد من الطلاقين وقوع الآخر فسقطا معا .

والوجه الثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج ، ومن حكى عنه خلافه ، فقد وهم أنه تقع عليها الطلقة الناجزة وحدها ولا يكون اشتراطها في وقوع الثلاثة قبلها مانعا من وقوعها وهذا الصحيح عندي ، وبه قال أبو حنيفة وأبو علي بن أبي هريرة لأمرين : [ ص: 224 ] أحدهما : أن الناجز أصل وهو أقوى ، والمعلق بالصفة فرع وهو أضعف ، فلم يجز أن يكون أضعفهما رافعا لأقواهما .

والثاني : أن طلاق الصفة لا يقع إلا بعد وقوع الناجز ، والطلاق لا يرتفع بعد وقوعه .

والوجه الثالث : وهو قول بعض المتأخرين أنها تطلق ثلاثا الواحدة الناجزة وثنتين من الثلاث المعلقة بالصفة ، ولا يكون امتناع وقوع الثالثة لأنها في حق المطلقة رابعة مانعا من وقوع ما سواها إذا كان وقوعه ممكنا ، كمن قال لزوجته : إذا دخلت الدار فأنت طالق أربعا طلقت بدخول الدار ثلاثا ، ولم يكن امتناع وقوع الرابعة مانعا من وقوع الثلاث كذلك في مسألتنا .

ولهذا القول وجه ، فأما إذا قال لها : إن طلقتك ثلاثا فأنت طالق قبلها ثلاثا ، فإن طلقها طلقة أو طلقتين طلقت ما أوقعه عليها من ناجز الطلاق من واحدة أو اثنتين ، فإن طلقها ثلاثا فعلى مذهب المزني ومن تابعه لا تطلق شيئا ، لا من ناجز الطلاق ولا المعلق بالصفة لتدفع الطلاقين .

وعلى مذهب أبي العباس بن سريج وابن أبي هريرة تقع الثلاث الناجزة ، لأنها أثبت الطلاقين وأقواهما فلو قال : كلما طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا ، فعلى قول المزني : فلا يقع عليها طلاق قط ، لأن وقوعه يقتضي وقوع ثلاثة قبله، ووقوع ثلاثة قبله تمنع من وقوع ما بعده . وعلى قول أبي العباس بن سريج وابن أبي هريرة يسقط حكم الثلاث المعلقة بالصفة ، لأن ثبوتها يؤدي إلى أن لا يلحقها طلاق أبدا ، وهذا مدفوع في الزوجات مع بقاء نكاحهن فبطل ، ووقع عليها ما استأنفه من الطلاق والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية