الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فإذا تقرر أن ميراثها على ما ذكرنا من الأقاويل الثلاثة ، فإنها ترثه إذا لم تختر طلاق نفسها فإن اختارت طلاقها لم ترث . واختيارها للطلاق قد يكون من وجوه ، منها : أن تسأله الطلاق فيطلقها ، أو يعلقه بمشيئتها فتشاء طلاقها أو يعلقه بفعلها فيما لا تجد منه بدا ، كقوله : إن دخلت الدار أو كلمت زيدا أو لبست هذا القميص أو أكلت هذا الرغيف فأنت طالق فتفعل ذلك ، فيدل على اختيارها للطلاق : لأنها تجد من ذلك بدا فلا تدخل الدار ، ولا تكلم زيدا ، ولا تلبس ذلك القميص ، ولا تأكل ذلك الرغيف .

فأما إن علقه بفعل ما لا تجد بدا منه كقوله : إن أكلت أو شربت أو نمت أو قعدت ، فإن فعلت ذلك عند الحاجة فهي غير مختارة لطلاقها ، فلها الميراث وإن فعلته قبل وقت الحاجة ففيه وجهان :

[ ص: 267 ] أحدهما : يجري عليها حكم الاختيار ، اعتبارا بوقت الفعل لأنها تجد من تقديمه قبل الحاجة بدا .

والثاني : يجري عليها حكم عدم الاختيار ، اعتبارا بوقت الفعل : لأنها تجد من تقديمه قبل الحاجة بدا بحال الفعل : لأنها لا تجد من فعله بدا ، وكذلك لو خالعته دل الخلع على اختيارها فمنعها طلاق الخلع من الميراث ، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة .

وقال مالك : لها الميراث وإن اختارت الطلاق وسألته ، وقال أبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا تعلقا بأن تماضر بنت الأصبغ الكلبية سألت عبد الرحمن بن عوف الطلاق ، فورثها عثمان رضي الله عنه ولأنه لما كان القتل مانعا من الميراث لم يقع الفرق فيه بين أن يكون عن سؤال وغير سؤال ، حتى لو قال له الموروث : اقتلني فقتله لم يرثه ، كذلك الطلاق في المرض لما كان موجبا للميراث لم يقع الفرق فيه بين أن يكون عن سؤال وغير سؤال ، وهذا فاسد : لأن استحقاق الإرث إنما يكون لأجل التهمة في الإرث فإذا اختارت وسألت زالت التهمة وسقط موجب الإرث ، ولأنها إذا سألت واختارت ، صارت الفرقة منسوبة إليها فجرى مجرى فسخها بالعيوب التي لا توجب ميراثها ولا ميراثه منها .

وأما تماضر فكل ما أخذته وإن سألت الطلاق صلحا لا إرثا ، على أنه لم يطلقها حتى سألته لأنه أمسكها حتى حاضت ثم طهرت ثم طلقها .

وإذا تأخر طلاقه عن سؤالها لم يكن جوابا ، وصار طلاقا مبتدأ ، وقيل أنها سألته في حال الصحة فطلقها في المرض .

وأما الإرث في القتل فوجوده كعدمه في الحظر سواء فكان في حكم الميراث سواء وخالف سؤال الطلاق والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية