الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو أصابها وقد كفر بالصوم في ليل الصوم لم ينتقض صومه ومضى على الكفارة ولو كان صومه ينتقض بالجماع لم تجزئه الكفارة بعد الجماع " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : إذا كفر المظاهر بالصيام لزمه صوم شهرين متتابعين قبل الوطء كالعتق وهو نص ؛ قال الله تعالى فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا [ المجادلة : 4 ] فإن وطئ في نهار الصوم عامدا بطل صومه وتتابعه واستأنف صوم شهرين متتابعين بعد وطئه ، وإن وطئ في نهار الصوم ناسيا لم يبطل صومه ولا تتابعه ، وإن وطئ في ليل الصوم ناسيا أو عامدا لم يبطل الصوم ولا التتابع، وبه قال أبو يوسف وقال أبو حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن ، يبطل تتابع الصوم في الوطء في الليل ويبطل بوطئه ناسيا في النهار ، استدلالا بقول الله تعالى : فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ومنها دليلان :

أحدهما : أنه نهى عن الوطء فيه وقبله، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه .

والثاني : أنه أمر بصيام شهرين ليس قبلهما مسيس ويمكنه أن يأتي بصوم شهرين [ ص: 453 ] ليس فيهما مسيس فوجب أن يلزمه العدول إلى ما أمكنه وإن سقط عنه ما لم يمكنه لأن العجز عن أحد الأمرين لا يوجب سقوطهما معا ، قالوا : ولأنه وطء في شهري صيام الظهار فوجب أن يبطل التتابع كالوطء عمدا بالنهار ، قالوا : ولأنه تحريم وطء لا يختص بزمان فاستوى حكمه بالليل والنهار كالاعتكاف .

ودليلنا : قول الله تعالى فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فاقتضى الظاهر أن يأتي بصيام شهرين ليس قبلهما ولا فيهما مسيس وهو ليس يقدر على ذلك بعد وطئه فكان البناء أقرب إلى الظاهر من الاستئناف ، لأن صوم شهرين أحدهما قبل المسيس والآخر بعده أقرب إلى الواجب من صوم شهرين هما جميعا بعد المسيس ، فكان استدلال الشافعي بها من هذا الوجه لا من جهة النص فيتوجه احتجاج الكرخي في الاستدلال بها ، ولأنه وطء لم يبطل به الصوم فلم يبطل به التتابع كوطء غير المظاهر منها، وكالوطء في ليل صيام كفارة القتل . فإن قيل فوطء المظاهر محرم ليلا ونهارا فجاز أن يبطل به التتابع بالليل كما يبطل به في النهار كتحريمه فيهما وليس كذلك الوطء في ليل الصوم في كفارة القتل لأنه غير محرم، ولا وطء غير المظاهر منها ؛ لأنه ليس بمحرم فكان التحريم علة في إبطال التتابع فلم يصح القياس . قيل : ما لم يبطل التتابع بمباحه لم يبطل بمحظوره كالزنا وما أبطل التتابع بمحظوره بطل بمباحه ؛ كالأكل في نهار الصوم لشدة المجاعة خوفا من التلف يبطل صومه وتتابعه ، وإن فعل مباحا كما لو أكل من غير خوف وفعل محظور وإذا بطل تعليله بالحظر والإباحة كان تعليل التتابع بصحة الصوم وفساده أولى، فصح القياس على كل واحد من الأصلين .

وقياس ثان : هو أنه وطء في أثناء تكفير، فجاز أن لا يبطل به التكفير كالإطعام .

وقياس ثالث : وهو أن الإتيان بما يضاد الصوم إذا وقع ليلا لم يؤثر في حكم الصوم كالأكل .

واستدلال رابع : وهو أن هذا الصوم مشروط بشرطين : التتابع وأن يكون قبل المسيس ، فالتتابع صفة في المؤدي، وقبل المسيس صفة في الأداء كالصلاة علقت بشرطين : الوقت والترتيب، وإن ثبت الفعل ثم كان عدم الوقت أو بعضه لا يسقط حكم الترتيب كذا الصوم ها هنا .

فأما الجواب عن استدلالهم من الآية بأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه فهو أن المنهي عنه هو الوطء وهو فاسد حرام .

وأما الجواب عن استدلالهم منها بأنه يقدر على صوم شهرين ليس بينهما مسيس فهو أن ما ذكرناه أولى ؛ لأنه في البناء يأتي بأحد الشهرين قبل المعصية وبالثاني قضاء بعد المعصية .

[ ص: 454 ] وأما الجواب عن قياسهم على وطء النهار فالمعنى فيه أن الوطء لما أبطل الصوم أبطل التتابع، ووطء الليل لما لم يبطل الصوم لم يبطل التتابع . وأما الجواب عن قياسهم على الاعتكاف فالمعنى فيه أن وطء الليل صادق زمان العبادة فأشبه وطء النهار وليس كذلك في الصوم : لأن وطء الليل لم يصادف زمان العبادة والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية