فصل : فإذا تقرر ما وصفنا من أحكام هذه الأقسام ووجبت عليها عدتان عدة من طلاق الأول ، وعدة من وطء الثاني لم
تتداخل العدتان ، وأكملت عدة الأول لتقدمه وصحة عقده ، ثم استأنفت بعدها عدة الثاني . وبه قال
nindex.php?page=showalam&ids=2عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ،
وعلي بن أبي طالب عليه السلام ،
وعمر بن عبد العزيز . وقال
مالك ،
وأبو حنيفة : تتداخل العدتان ولا يلزمها أكثر من عدة واحدة ، ويكون الباقي من عدة الأول داخلا في عدة الثاني استدلالا بقول الله تعالى
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ الطلاق : 4 ] فلم يوجب على الحامل عدة غير وضع الحمل ، سواء كان من واحد أو جماعة ، وبقوله تعالى
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [ البقرة : 228 ] فلم يوجب عليها غيرها في عموم الأحوال . قالوا : ولأنهما عدتان ترادفتا فوجب أن تتداخلا كما لو كانتا من واحد ؛ ولأن
العدة تراد لاستبراء الرحم ، فإذا عرف في حق أحدهما عرف في حقهما فلم يستفد بالزيادة ما لم يستفد قبلها ؛ ولأن العدة تتصل بسببها ولا تتأخر عنه وذلك موجب لتداخلهما حتى لا تتأخر واحدة منهما عن سببها ؛ ولأن
المختلعة يجوز لمخالعها أن يتزوجها في عدتها ، ولو وطئت فيها بشبهة لم يجز أن يتزوجها فلولا أنها في عدة منهما
[ ص: 290 ] لجاز له أن يتزوجها ، فاقتضى هذا المنع تداخل العدتين ، ولأن العدة أجل يقضى بمرور الزمان ، فإذا اجتمع أجلان في دين لرجلين تداخلا كذلك إذا اجتمعت عدتان . ودليلنا إجماع الصحابة منقول عن اثنين أمسك الباقون عن مخالفتهما . أحدهما : عن
عمر ، رواه
الشافعي عن
مالك عن
الزهري عن
nindex.php?page=showalam&ids=15990سعيد بن المسيب ،
وسليمان بن يسار أن
طليحة كانت تحت
رشيد الثقفي فطلقها البتة فنكحت في عدتها فضربها
عمر وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرق بينهما ، ثم قال : أيما
امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما ، واعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم الآخر ، وكان خاطبا من الخطاب وإن كان دخل بها فرق بينهما ، واعتدت بقية عدتها من زوجها الأول ثم اعتدت من الآخر ، ثم لم ينكحها أبدا . والثاني : عن
علي عليه السلام رواه
الشافعي عن
عبد المجيد عن
nindex.php?page=showalam&ids=13036ابن جريج عن
عطاء : أن رجلا
طلق امرأته فاعتدت منه حتى إذا بقي من عدتها نكحها رجل في آخر عدتها وبنى بها فأتي
nindex.php?page=showalam&ids=8علي بن أبي طالب في ذلك ففرق بينهما وأمرها أن تعتد ما بقي من عدتها الأولى ، ثم تستأنف عدة الثاني ، فإذا انقضت عدتها فهي بالخيار إن شاءت نكحت وإن شاءت فلا . قال
الشافعي : أنا أقول بقولهما في أن لا تتداخل العدتان وأقول بقول
علي في أنها لا تحرم على الثاني إذا كان قد دخل بها ، وليس لهما في الصحابة مخالف فثبت إجماعا . فإن قيل : فقد خالفهما
ابن مسعود . قيل : ليس بثابت مع اشتهار هاتين القصتين من إمامين لو خالفهما غيرهما لاشتهر كاشتهارهما ومن القياس : أنهما حقان مقصوران لآدميين فوجب إذا ترادفا أن لا يتداخلا ، كما لو قتل رجلين قتل بأحدهما وأخذت منه دية الآخر في قول
الشافعي ، وفي قول
أبي حنيفة قتل لهما وتؤخذ منه الدية تكون بينهما ، وكذلك لو قطع يمنى رجلين اقتص من يمينه لأحدهما ، وأخذت منه دية يمين الآخر في قول
الشافعي ، وقول
أبي حنيفة على ما ذكرنا في النفس ، وليس تداخل أحد الحقين في الآخر على كل المذهبين في النفوس ، والأطراف ؛ ولأن المرأة محبوسة على الزوج في حقين نكاح وعدة ، فلما امتنع اشتراك الزوجين امتنع تداخل العدتين ؛ ولأن العدة من الحقوق المشتركة من حقوق الله تعالى في التعبد وحق الزوج في حفظ مائه ، وحق الزوجة في السكنى فلم يجز أن تتداخل مع اختلاف مستحقهما ؛ لأنه إن غلب فيها حق الله تعالى لم تتداخل كالحدود والكفارات المختلفة ، وإن غلب فيها حق الآدميين لم تتداخل كالديون ، والقصاص ؛ ولأنه لما لم يجز في عدة أن تتداخل باختلاف من عليه العدة لم
[ ص: 291 ] تتداخل باختلاف من له العدة ؛ ولأنها لو وطئت بالشبهة في عدة الوفاة لم تتداخل العدتان ، وكذلك إذا كان الوطء في عدة الطلاق وجب أن لا تتداخل العدتان . فأما الجواب عن الآيتين فهو أن صيغة اللفظ تضمن عدة واحدة فلم يجز أن تحمل على عدتين . وأما قياسهم على تداخل العدتين من واحد فالمعنى فيه : أنه استبراء من ماء واحد فجاز أن يتداخل ، وإذا كان من اثنين فهو استبراء من مائين فلم يتداخلا . وأما قولهم : إنه إذا عرف براءة رحمها عن أحدهما عرف براءته في حقهما . فالجواب عنه أن
العدة استبراء وتعبد فإذا عرف الاستبراء لم يسقط معه التعبد كعدة الصغيرة وغير المدخول بها في الوفاة . وقولهم : إن العدة تتصل بسببها ولا تنفصل عنه ففاسد بمسألتنا لانفصال عدة الأول في مدة وطء الثاني ، ثم بالمطلقة في الحيض وليس الحيض وإنها تستقبل العدة بما بعد حيض الطلاق ، وما قالوه من تحريم المختلعة عليه إذا وطئت في عدتها ، فإنما منع من نكاحها ؛ لأنها محرمة عليه بعد عدته حتى تقضي عدة غيره ، فصارت كالمحرمة عليه حتى تنكح زوجا غيره . وأما اعتبارهم بتداخل الأجلين فلا يصح من وجهين : أحدهما : أن الأجل في الدين حق لمن عليه الدين ، وله إسقاطه بالتعجيل ، والأجل في العدة حق على من عليها العدة ، ولا يجوز إسقاطه بالعفو فافترقا . والثاني : أن مقصود الآجال ما بعدها من الحقوق وهي غير متداخلة ، والعدد هي الحقوق المقصودة ، فاقتضى قياسه أن لا يتداخل .