الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ ص: 423 ] باب قدر النفقة مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " عليه النفقة نفقتان : نفقة الموسع ، ونفقة المقتر قال الله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه . قال الماوردي : نفقات الزوجات مقدرة تختلف باليسار والإعسار ، ويعتبر فيها حال الزوج دون الزوجة ؛ فإن كان موسرا تقدرت بمدين ، وإن كان معسرا تقدرت بمد ، وإن كان متوسطا تقدرت بمد ونصف . وقال أبو حنيفة ، ومالك : نفقة الزوجية معتبرة بكفايتها ، ولا اعتبار بيسار الزوج وإعساره . فخالفوا في الأحكام الثلاثة ، فلم يجعلوها مقدرة ولا معتبرة بحال الزوج ولا مختلفة باليسار والإعسار . واستدلوا على ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهند : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف . فأذن لها في أخذ كفايتها ، وجمع بينها وبين ولدها ، ونفقة ولدها معتبرة بالكفاية ، وهو لا يأذن لها إلا فيما تستحقه ، فدل على أن الكفاية هي القدر المستحق ، ولأن نفقتها في مقابلة تمكين الزوج من الاستمتاع ، والتمكين معتبر بكفاية الزوج فوجب أن يكون ما في مقابلته من النفقة معتبرا بكفاية الزوجة كالمقاتلة لما يلزمهم كفاية المسلمين جهاد عدوهم استحقوا على المسلمين في بيت مالهم قدر كفايتهم ، ولأن استحقاق النفقة يكون من ثلاثة أوجه : بنسب ، وزوجية ، وملك : فلما كان المستحق بالنسب والملك معتبرا بالكفاية ، وجب أن يكون المستحق بالزوجية معتبرا بالكفاية . وتحريره أنها جهة تستحق بها النفقة . فوجب أن تكون معتبرة بالكفاية كالنسب والملك . ودليلنا قول الله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله [ الطلاق : 7 ] فدلت هذه الآية على اعتبار النفقة بالزوج واختلافها بيساره وإعساره . فسقط بذلك اعتبار كفايتها ولا يجوز حمله على نفقة المرضعة : لأنها لا تختلف باليسار والإعسار ، ولأنها أجرة مقدرة ، ولأن المال المستحق بالزوجية يجب أن يكون مقدرا كالمهر ، ولأن ما استقر ثبوته في الذمة من الإطعام إذا لم يسقط [ ص: 424 ] بالإعسار كان مقدرا كالكفارات . ولأن اعتبارها بالكفاية مفض إلى التنازع في قدرها . فكان تقديرها بالشرع حسما للتنازع فيه أولى كدية الجنين . فأما الجواب عن حديث هند ؛ فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تأخذ بالمعروف ، والمعروف أن لا تأخذ في الإعسار ما تأخذه في اليسار . وأما الجواب عن استدلالهم بأنها في مقابلة الاستمتاع المعتبر بالكفاية كالمجاهدين . فهو أن نفقة الزوجة في مقابلة بدل مستحق بعقد فجرى عليه حكم العوض ، وإنما يجب بالانقطاع عن التماسه الكفاية فجاز أن لا يستحق بها قدر الكفاية . وأما الجواب عن قياسهم على نفقات الأقارب والمماليك ، فالمعنى فيها أنها مستحقة من غير بدل فجاز أن تكون غير مقدرة ، ونفقة الزوجة مستحقة عن بدل فوجب أن تكون مقدرة كالأجور والأثمان . فصل : فإن قيل فقد قال الشافعي : النفقة نفقتان : نفقة الموسر ، ونفقة المعسر ، ثم قدرها ثلاث نفقات . موسر ومعسر ومتوسط فنقض بعض كلامه بعضا . قيل : أراد : المعتبر بالشرح نفقتان : يسار وإعسار ، والثالثة معتبرة بالاجتهاد لتوسطهـا بين اليسار والإعسار .

التالي السابق


الخدمات العلمية