الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " وأصل الأبوال وما خرج من مخرج حي مما يؤكل لحمه ، أو لا تؤكل لحمه فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية ولو غسل كان أحب إلي " .

قال الماوردي : وهذا كما قال ، أما بول الآدميين فنجس إجماعا صغيرا كان ، أو كبيرا ، ذكرا كان أو أنثى ، لرواية الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكثر عذاب القبر من البول ولولا أنه نجس يلزمه اجتنابه ما استحق عذاب القبر عليه .

وروى الشافعي ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن أعرابيا دخل المسجد ، فقال : اللهم ارحمني ، ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد تحجرت واسعا فما لبث أن بال فعجل الناس عليه ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يسروا ، ولا تعسروا ، صبوا عليه ذنوبا من ماء فإذا ثبت نجاسة بول الآدميين بما ذكرناه من السنة ، والإجماع فالواجب غسله بالماء إلا بول الصبي قبل الطعام ، فإنه يطهر برش الماء عليه ، فأما بول الصبية فلا يطهر إلا بالغسل قبل أكل الطعام وبعده .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : لا يطهر بولهما جميعا إلا بالغسل .

وقال الأوزاعي : يطهر بولهما جميعا بالرش ، والدلالة على الفريقين في جواز الرش [ ص: 249 ] على بول الغلام ، ووجوب غسل بول الجارية رواية علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يغسل بول الجارية وينضح على بول الغلام ما لم يأكل الطعام .

وهذا نص ذكره ابن المنذر .

وروت لبابة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس الحسن في حجره فبال عليه ، فقالت : قلت له : لو أخذت ثوبا ، وأعطيتني إزارك لأغسله ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنما يغسل من بول الأنثى ، وينضح على بول الذكر وهذا نص أيضا ذكره أبو داود .

وروي عن أم قيس بنت محصن أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطفل لها ليحنكه فبال في حجره فنضح عليه الماء فثبتت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا ، وفعلا بصحة ما ذكرناه من جواز الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام ، وغسل بول الصبية قبل الطعام ، وبعده ، ثم الفرق بينهما في المعنى من وجهين :

أحدهما : أن بول الجارية أحر من بول الغلام ، ومني الغلام أحر من مني المرأة على ما تعارفه الناس في غالب العادة ، فمن هذا الوجه خف الحكم في بول الغلام ، وغلظ في بول الجارية .

والثاني : أنه لما جاز بلوغ الغلام بمائع طاهر ، وهو المني ، وبلوغ الجارية بمائع نجس وهو الحيض جاز أن يفترقا في حكم طهارة البول على أن الغلام كثيرا ما يتداوله الناس ، فكان حكم بوله أخف ، فإن قيل : فما معنى قول الشافعي : " ولا يبين لي فرق بينه وبين الصبية " ، وقد فرقتم بينهما ، قيل : يحتمل أمرين :

أحدهما : أن السنة قد فرقت بينهما ، ولا يبين لي معنى الفرق بينهما من طريق السنة .

والثاني : أن فرق المشاهدة بينهما في كون بول الصبي أبيض غير متغير ، وبول الصبية بضده لا يبين لي المعنى فيه ، فأما أبوال ما عدا الآدميين ، وأرواثها فقد اختلف الفقهاء فيها على أربعة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب الشافعي أن أبوال جميعها ، وأرواثها نجسة بكل حال ، وبه قال من الصحابة ابن عمر ، ومن التابعين الحسن ، ومن الفقهاء أبو ثور .

[ ص: 250 ] والثاني : وهو مذهب النخعي : أن أبوالها وأرواثها كلها طاهرة .

والثالث : وهو مذهب عطاء ، ومالك ، وسفيان الثوري ، أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر ، وبول ما لا يؤكل لحمه وروثه نجس .

والرابع : وهو مذهب أبي حنيفة أن أبوال جميعها ، وأرواثها نجسة إلا ما لا يمكن الاحتراز منه من ذرق الخفاش ، والطير ، وغيره ، فأما ما يمكن الاحتراز منه ، فإن كان غير مأكول اللحم فهو كالعذرة يعفى عن قدر الدرهم منه في الصلاة ، وإن كان مأكول اللحم فذرقه كالعذرة أيضا يعفى عن قدر الدرهم منه .

وقوله : يعتبر فيه التفاحش ، وقدر التفاحش ربع الثوب ، ففرق بين بوله وروثه ، وسوى أبو يوسف ، ومحمد بين بوله وروثه في اعتبار التفاحش فيهما جميعا ، وقدر ذلك الربع ، واستدلوا في الجملة على طهارة ذلك مع اختلاف مذاهبهم برواية البراء بن عازب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما أكل لحمه فلا بأس ببوله وبرواية حميد ، عن أنس : أن قوما من عرنة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فاستوخموا المدينة ، فانتفخت أجوافهم ، فبعثهم إلى لقاح الصدقة ليشربوا من أبوالها .

قالوا : ولأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت راكبا على راحلته يومين إلى البيت بمحجنه ، ومعلوم من حال الراحلة أنها لا تخلو من البول ، والروث ، فلو كان نجسا لامتنع من تنجيس المسجد به قالوا : ولأنه إجماع أهل الحرمين لا يمتنعون من الصلاة على ذرق الحمام مع كثرته ، فدل هذا الفعل على طهارته .

قالوا : ولأن عسل النحل من المخرج ، وليس بنجس ، ولأن الإنفحة كرش ، وهي طاهرة .

والدلالة على تنجيسه قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين [ النحل : 66 ] . فامتن الله سبحانه علينا بإخراج اللبن من بين فرث ودم .

وفائدة الامتنان إخراج طاهر من بين نجسين .

وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ، فقال إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما يسعى بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول .

[ ص: 251 ] فكان على عمومه في جميع الأبوال ، ولأنه نجس من الآدمي فكان نجسا من البهائم .

أصله : الدم ولأنه حيوان دمه نجس فوجب أن يكون بوله نجسا كالآدمي ، فأما استدلالهم بحديث البراء بن عازب ، فراويه أبو جهم ، وهو مجهول لا يعرف على أن قوله صلى الله عليه وسلم : " لا بأس به " يدل على طهارته ، بل فيه تنبيه على نجاسته ، وأنه أخف حالا من غيره .

وفائدته جواز الانتفاع به عند الحاجة فرقا بينه وبين الخمر ، وإنما نص على ما يؤكل لحمه ، لأنه أنفع في التداوي من بول غير المأكول ، فأما حديث العرنيين فلا حجة فيه ، لأنه يدل على جواز شربه عند الحاجة إليه ، فإن قيل : جواز شربه دليل على طهارته . قيل : باطل بالميتة ، وأما طواف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على راحلته فلا دليل فيه ، لأنه لم يتحقق منها النجاسة ، وما لا يتحقق منه النجاسة فلا بأس بفعله ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل أمامة بنت العاص في الصلاة . والطفل أسوأ حالا من البهيمة في إرسال النجاسة على أن عادة الإبل أنها لا ترسل النجاسة في سيرها ، وأما إجماع أهل الحرمين فلا دليل فيه من وجهين :

أحدهما : أن هذا ليس فعل جميعهم فيصح الاحتجاج به .

والثاني : أنه لو كان فعل جميعهم لم يلزم ، لأنهم ليسوا كل الأمة ، ولو كانوا كل الأمة لم يكن إجماعا ، لأن ابن عمر ، والحسن يخالفان في المسألة ، وأما العسل فخارج من فم النحل لا من دبرها على أن النحل حيوان لا يؤكل لحمه ، وما لا يؤكل لحمه فبوله وروثه نجس بإجماعنا ، وإياهم ، وأما الإنفحة فلبن جامد ، ولذلك حل أكله وساغت طهارته ، ومن أصحابنا من قال : هو نجس ، لأنه كرش ، فأما جرة البعير التي يخرجها من جوفه ، ثم يجترها فلا يختلف أصحابنا في نجاستها كالقيء سواء .

التالي السابق


الخدمات العلمية