الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ نفقة التي لا يملك زوجها رجعتها وغير ذلك ] .

مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " قال الله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وقال تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فلما أوجب الله لها نفقة بالحمل دل على أن لا نفقة لها بخلاف الحمل ولا أعلم خلافا أن التي يملك رجعتها في معاني الأزواج في أن عليه نفقتها وسكناها وأن طلاقه وإيلاءه وظهاره ولعانه يقع عليها وأنها ترثه ويرثها فكانت الآية على غيرها من المطلقات وهي التي لا يملك رجعتها وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة بنت قيس ، بت زوجها طلاقها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ليس لك عليه نفقة وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال نفقة المطلقة ما لم تحرم وعن عطاء : ليست المبتوتة الحبلى منه في شيء إلا أنه ينفق عليها من أجل الحبل ، فإن كانت غير حبلى فلا نفقة لها " .

قال الماوردي : للمطلقة حالتان : رجعية ومبتوتة .

[ ص: 465 ] فأما الرجعية فلها السكنى ، والنفقة إلى انقضاء عدتها حاملا كانت أو حائلا ، وهذا إجماع .

وأما المبتوتة إما بالخلع أو بالطلاق الثلاث ، فإن كانت حاملا فلها السكنى والنفقة لقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن [ الطلاق : 6 ] وإن كانت حائلا فقد اختلف الفقهاء في وجوب السكنى والنفقة لها على ثلاثة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب أحمد بن حنبل : لا سكنى لها ولا نفقة .

والثاني : هو مذهب أبي حنيفة : أن لها السكنى والنفقة .

وبه قال من الصحابة عمر وابن مسعود رضي الله عنهما .

والثالث : وهو مذهب الشافعي : لها السكنى وليس لها النفقة ، وبه قال من الصحابة ابن عباس ، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى .

فأما وجوب السكنى فقد مضى الكلام فيه مع أحمد في كتاب العدد .

وأما النفقة فاستدل أبو حنيفة على وجوب النفقة لها بقوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن [ الطلاق : 6 ] وفي الامتناع من النفقة ضرار قد نهى عنه فدل على وجوبها لها .

وروى حماد بن أبي سليمان عن النخعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه أن فاطمة بنت قيس قالت : ما جعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة ، قال عمر : لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة ، لعلها غلطت أو نسيت ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لها السكنى والنفقة وهذا نص .

قالوا : ولأنها معتدة عن طلاق فوجب أن تكون لها النفقة كالرجعية ، قالوا :

ولأنها محبوسة عن الأزواج لحقه فوجب أن تكون لها النفقة كالزوجة ، قالوا : ولأنه حق يتكرر وجوبه في حال الزوجية فوجب أن لا يسقط بالبينونة كالسكنى .

ودليلنا قول الله تعالى : وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن [ الطلاق : 6 ] ، فجعل نفقة المبتوتة مشروطة بالحمل ، فدل على سقوطها بعدم الحمل ، وروي أن فاطمة بنت قيس بت زوجها طلاقها فأتاها وكيله بشعير فسخطته وأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن نفقتها فقال : لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا .

[ ص: 466 ] وروي أنه قال لها : إنما النفقة للتي يملك زوجها رجعتها ولأنها زوجية زالت فوجب أن تسقط النفقة بزوالها كالوفاة ، ولأنه بائن فوجب أن تسقط نفقتها كغير المدخول بها ، ولأن النفقة في مقابلة التمكين فإذا زال التمكين سقطت النفقة ، ولأنه يملك الاستمتاع بزوجته كما يملك رق أمته ، فلما سقطت نفقة الأمة بزوال ملكه عن رقها وجب أن تسقط نفقة الزوجة بزوال ملكه عن الاستمتاع بها .

فأما عن الجواب عن الآية فهو وروده في السكنى بدليل قوله تعالى : ولا تضاروهن .

وآخر الآية في النفقة دليلنا لاشتراط الحمل في وجوبها ، وأثر عمر فمنقطع : لأن راويه النخعي ، ولم يلحق عمر رضي الله عنه ، وإن اتصل لكان حديث فاطمة بنت قيس أولى منه : لأن الخبر فيها وارد فكانت بما تضمنه أخبر كما أخذ الفقهاء في التقاء الختانين بحديث عائشة وقولها : " فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا " ، ولو استدل بالحمل على أن طلاقها رجعي فأوجب لها النفقة والسكنى بحديث عمر رضي الله عنه فلما علم أنه بائن أسقط نفقتها وأوجب سكناها بحديث فاطمة كما أقطع الأبيض بن حمال ملح مؤاب ، فلما قيل له : إنه كالماء العد قال : " فلا إذن " ، وقياسهم على الرجعية فالمعنى فيها رجعتها ، والبائن في حكم الأجنبيات لعدم التوارث وسقوط أحكام الزوجية بينهما وأنها محرمة لا يقدر على الاستمتاع بها ، وبمثله يجاب عن قياسهم على الزوجة ، وتعليلهم بأنها محبوسة عن الأزواج لحقه يفسد بالمتوفى عنها زوجها وبالموطوءة بالشبهة ، وقياسهم على السكنى فالمعنى فيه وجوب السكنى لتحصين مائه ، وذلك يستوي في حال الزوجية وبعدها ، والنفقة لأجل التمكين وذلك في حال الزوجية فخالف لما بعدها . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية