الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ القول في نفقة الوالدين ]

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا لم يجز أن يضيع شيئا منه فكذلك هو من ابنه إذا كان الوالد زمنا لا يغني نفسه ولا عياله ، ولا حرفة له ، فينفق عليه ولده وولد ولده وإن سفلوا ؛ لأنهم ولد ، وحق الوالد على الولد أعظم " . قال الماوردي : نفقة الوالد واجبة على ولده ، كما وجبت نفقة الولد على والده على ما سنوضحه من شروط الوجوب لقول الله - عز وجل - : ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) [ لقمان : 15 ] فكان من المعروف القيام بكفايتهما ، وقال - تعالى - : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) [ العنكبوت : 8 ] ، ومن الإحسان إليهما النفقة عليهما ، وقال - تعالى - : ( فلا تقل لهما أف ) [ الإسراء : 23 ] ، مبالغة في برهما ، وقال - عز وجل - : ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) [ المسد : 2 ] ، يعني ولده ، وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، إن ولده من كسبه " .

وروي أنه قال : " فكلوا من أطيب كسبكم " .

وروى حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أولادكم هبة من الله لكم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ذكرانا ، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها " .

وروى محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن لي مالا وعيالا ، ولأبي مال وعيال ، ويريد أن يأخذ مالي فقال - صلى الله عليه وسلم - : " أنت ومالك [ ص: 487 ] لأبيك " ؛ ولأن حق الوالد أعظم من حق الولد ؛ لأنه لا يقاد بقتله ، ولا يحد بقذفه ، فلما وجبت عليه نفقة ولده ، كان أولى أن تجب نفقته على ولده .

فصل : فإذا تقرر وجوب نفقة الوالد على ولده فكذلك نفقة الجد وإن علا ونفقة الأم والجدات وإن علون .

وقال مالك : لا يلزمه أن ينفق إلا على والده وحده ، ولا يلزمه أن ينفق على جده ولا على أمه ، كما لم يوجب نفقة الولد على جده ولا على أمه ، وهذا خطأ قطع به التواصل ، وخالف فيه الجمهور ، مع قوله - تعالى - : ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) [ الإسراء : 23 ] ، مبالغة في الحث على برهما .

وروي أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ! من أبر ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أباك حقا واجبا ورحما موصولا . فوصاه بالأم ثلاثا ، ووصاه بالأب في الرابعة ، ولأن الأم لتفردها بثقل الحمل ، ومشاق الولادة ، وقيامها بالرضاعة والتربية - أوجب حقا من الأب ، وأظهر منه عجزا ، فكانت باستحقاق النفقة أحق ، وبالتوافر على برها ألزم ؛ ولأنه لما استوى طرف الأباء والأمهات والأجداد والجدات في عتقهم بالملك وسقوط القود عنهم بالقتل لوجود البعضية مساواة للأب وجب أن يكونوا في استحقاق النفقة كذلك - والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية