الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وإذا تنازع رجلان في أبوة ولد ثم قتلاه أو أحدهما فلا يخلو من أحد أمرين :

إما أن يكون لقيطا قد ادعاه كل واحد منهما ولدا أو إما أن يكون لاشتراكهما في [ ص: 24 ] افتراش أمة بشبهة فإن كان لقيطا وادعاه كل واحد منهما ولدا فعند أبي حنيفة : أنه يلحق بهما .

وعلى مذهب الشافعي : أنه يعرض على القافة ، ويلحق بمن ألحقوه به منهما ، فإن عدمت القافة ، وأشكل عليهم وقف إلى زمان الانتساب لينتسب إلى أحدهما بطبعه ، وللكلام معه موضع غير هذا ، وإذا كان كذلك فللمدعي أبوته ثلاثة أحوال : أحدها : أن يكونا مقيمين على ادعائه والتنازع فيه ، فإن قتلاه فلا قود عليهما : لجريان حكم الأبوة عليهما ، وإن لم يتعين في أحدهما : لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون أباه وإن قتله أحدهما قبل البيان فلا قود عليه سواء لحق بالقاتل أو بالآخر : لثبوت الشبهة فيه عند قتله .

والحال الثانية : أن يسلمه أحدهما إلى الآخر قبل القتل فيلحق بمن سلم إليه ، ويصير ابنا له دون الآخر ، فإن قتله من ألحق به فلا قود عليه : لأنه أب له .

وإن قتله من نفي عنه أقيد به : لأنه أجنبي منه ، وإن قتلاه معا فلا قود على الأب ، ويقاد من الآخر .

والحال الثالثة : أن يرجعا جميعا عن ادعائه فلا يقبل رجوعهما ، وإن قبل رجوع أحدهما : لأنه قد صار بدعواهما مستحقا لأبوة أحدهما فإذا سلمه أحدهما صارا متفقين على إثبات أبوته فقبل منهما ، وإذا رجعا عنها صارا متفقين على إسقاط أبوته فلم يقبل منهما .

فإن قتلاه أو أحدهما لم يقتل به لبقاء حكم الأبوة بينهما .

وإن تنازعا لاشتراكهما في الفراش ، أو تناكراه مع اشتراكهما في الفراش ، فالحكم فيهما سواء ، وكذلك لو سلمه أحدهما إلى الآخر لم يقبل منه بخلافهما في دعوى اللقيط : لأن حكم الأبوة في اللقيط يثبت بالدعوى : فجاز تسليمه لأحدهما .

وفي ولد الموطوءة ثبت حكم الأبوة بالاشتراك في الفراش فلم يؤثر فيه التسليم والإنكار ، وإذا كان كذلك فلبيان نسبه في لحوقه بأحدهما حالتان :

أحدهما : بالولادة ، وهو أن تلده لأقل من ستة أشهر من وطء أحدهما ، ولستة أشهر فصاعدا من وطء الآخر : فيكون لاحقا بمن ولدته لستة أشهر فصاعدا من وطئه ، وهذا بيان لا يجوز أن يتأخر عن زمان الولادة فلا يكون القتل إلا بعد استقرار نسبه ؟ فإن قتله من لحق به فلا قود عليه ، وإن قتله من انتفى عنه أقيد به ، وإن اشتركا في قتله قتل به غير أبيه ، وسقط القود عن أبيه .

والحال الثانية : أن لا يبين نسبه بالولادة ، لولادته بعد ستة أشهر من وطئهما معا [ ص: 25 ] فيوقف نسبه على البيان ، بالقافة أو الانتساب ، فإن قتل بعد البيان أقيد به غير أبيه ، وإن قتل قبل البيان فلا قود على واحد منهما ، سواء بان من بعد أنه أب أو غير أب : لثبوت الشبهة حال القتل .

التالي السابق


الخدمات العلمية