الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فأما إذا وجب قتل الزاني المحصن ، فقتله رجل بغير أمر الإمام .

فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن القود على قاتله واجب ، لأن ولي قتله هو الإمام ، فإذا تولاه غيره أقيد منه ، كالعامل إذا قتله غير ولي المقتول أقيد به .

وظاهر مذهب الشافعي ، وما عليه جمهور أصحابه : أنه لا قود ، لرواية أبي صالح عن أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال : يا رسول الله ، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أقتله ؟ أم حتى آتي بأربعة شهداء : فقال له النبي ، صلى الله عليه وسلم : لا حتى تأتي بأربعة شهداء كفى بالسيف شا يعني شاهدا هذا فانصرف سعد وهو يقول : والله ، لو وجدته لضربته بالسيف غير مصفح . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار : أما تسمعون ما يقول سيدكم : فقالوا : اعذره يا رسول الله ، فإنه رجل غيور ، وما طلق امراة فتزوجها رجل منا . فموضع الدليل منه أنه أباح قتله بعد البينة .

وروى الشعبي أن رجلا غزا ، واستخلف على امرأته أخاه فأتته امرأة . فقالت له :

أدرك امرأة أخيك ، عندها رجل يحدثها ، فتسور السطح ، فإذا هي تصنع له دجاجة وهو يرتجز ، ويقول :


وأشعث غره الإسلام مني خلوت بعرسه ليل التمام     أبيت على ترائبها ويمسي
على جرد الأعنة والحزام     كأن مواضع الربلات منها
فئام ينهضون إلى فئام

[ ص: 82 ] فقتله ورمى بجيفته إلى الطريق ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : أنشد الله امرأ عنده علم هذا القتيل إلا أخبرني ، فقام الرجل : فأخبره بما كان فأهدر عمر دمه ، وقال : أبعده الله وسحقه .

وروى سعيد بن المسيب أن رجلا من أهل الشام يقال له : ابن خيبري وجد مع امرأته رجلا فقتله وقتلها ، فأشكل على معاوية القضاء ، فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأله أن يسأل علي بن أبي طالب - عليه السلام - عنها فسأله فقال : ليست هذه بأرضنا حلفت عليك لتخبرني بها فقال : كتب بها إلي معاوية فقال على : يرضون بحكمنا وينقمون علينا ، إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته .

وفيه تأويلان :

أحدهما : فليضرب على رمته يعني بالسيف قودا .

والثاني : معناه فليسلم برمته حتى يقاد منه .

وأما الجمع بين الزاني والقاتل ، فقد فرق من خالف بينهما بأن على القاتل قودا ودية ، فلم يجز تفويت الدية بالقود ، وليس على الزاني إلا القتل الذي لا تخيير فيه ، والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين أن يقال : إن وجب قتل الزاني بالبينة فلا قود على قاتله لانحتام قتله وإن وجب بإقراره أقيد من قاتله لأن قتله بإقراره غير منحتم لسقوطه عنه برجوعه عن إقراره .

وعلى هذا لو أن محاربا من قطاع الطريق قتل في الحرابة رجلا فللإمام أن ينفرد بقتله دون ولي المقتول ، لما قد تعلق بقتله من حق الله تعالى الذي لا يجوز العفو عنه ، ولولي المقتول أن يقتله بغير إذن الإمام لما تعلق به من حقه الذي لا يجوز أن يمنع منه .

فإن قتله غيرهما من الأجانب فعلى الوجه الأول : يجب عليه القود ، وعلى مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه لا قود عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية