الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : فإن عفوا جميعا وعفا المفلس يجنى عليه أو على عبده القصاص جاز ذلك لهم ولم يكن لأهل الدين والوصايا منعهم لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيا وبمشيئة الورثة إن كان ميتا ( قال المزني ) - رحمه الله - ليس يشبه هذا الاعتلال أصله لأنه احتج في أن العفو يوجب الدية بأن الله تعالى لما قال فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان لم يجز أن يقال عفا إن صولح على مال لأن العفو ترك بلا عوض فلم يجز إذا عفا عن القتل الذي هو أعظم الأمرين إلا أن يكون له مال في مال القاتل أحب أو كره ولو كان إذا عفا لم يكن له شيء لم يكن للعافي ما يتبعه بمعروف ولا على القاتل ما يؤديه بإحسان ( قال المزني ) رحمه الله : فهذا مال بلا مشيئة ، أولا تراه يقول إن عفو المحجور جائز لأنه زيادة في ماله ، وعفوه المال لا يجوز لأنه نقص في ماله وهذا مال بغير مشيئة فأقرب إلى وجه ما قال عندي في العفو الذي ليس لأهل الدين منعه منه هو أن يبرئه من القصاص ويقول بغير مال فيسقطان ، وبالله التوفيق .

[ ص: 107 ] قال الماوردي : اعلم أنه لا يخلو حال الوارث لقتل العمد في عفوه من أحد ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون جائز الأمر مالك التصرف فيصح عفوه عن القود وعن الدية جميعا .

والقسم الثاني : أن يكون محجورا عليه لا يجري عليه قلم كالصغير والمجنون ، فلا يصح عفوه عن القود ولا عن الدية جميعا .

والقسم الثالث : أن يتعلق به حجر من وجه وإن جرى عليه القلم ، فهذا قد يستحق من أحد أربعة أوجه :

أحدها : أن يتعلق بتركة المقتول ديون ووصايا فتتعلق بدينه كما يتعلق بتركته على ما سنذكره ، فيصير الوارث في حكم المحجور عليه فيها حتى تقضى الديون وتنفذ الوصايا .

والثاني : أن يكون الوارث محجورا عليه بالفلس في حقوق غرمائه حتى يستوعبوا ماله في ديونهم .

والثالث : أن يكون الوارث محجورا عليه ، لسفه في حق نفسه حفظا لماله .

والرابع : أن يكون الوارث مريضا يمنع في حق الورثة من العطاء إلا في ثلثه فهؤلاء الأربعة يصح عفوهم عن القود إلى الدية ، لأن القود لا يؤثر في حقوقهم والعفو عنه أرفق بهم وفي صحة عفوهم عن الدية قولان :

أحدهما : يصح من جميعهم ، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فيه موجبا للقود وحده والدية لا تجب إلا باختيار الوارث ، فيصح عفوه ، لأنه لم يملكها فيعارض فيه ولا يملكها إلا بالاختيار ، وهو لا يجبر على الاختيار ، لأنه اكتساب عما لا يجبر على قبول الوصايا والهبات .

والقول الثاني : أن عفو الثلاثة باطل لا يصح ، وهذا على القول الذي يجعل قتل العمد فيه موجبا للقود ، أو الدية ، لأنه عفو عن مال قد تعلق به حق غيره .

فأما المريض فعفوه على هذا القول معتبر من ثلثه ، فإن احتمل ثلثه جميع الدية صح عفوه عنها ، وإن لم يملك غيرها صح عفوه عن ثلثها وبطل عن باقيها فأما المزني فإنه تكلم على فصلين :

أحدهما : الرد على أبي حنيفة في منعه من الدية إلا عن مراضاة .

[ ص: 108 ] والثاني : في اختياره لأحد القولين أن قتل العمد موجب لأحد أمرين من القود أو الدية .

فأما الفصل الأول فسلم كلامه فيه ، وأما الفصل الثاني فالتبس عليه حتى اختلط تعليله ، وضعف دليله وفي كشفه إطالة يقتصر فيها على سبره عند تأمله ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية