الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وأما تخصيص بعض الصلاة بالنهي فهي صلاة نافلة ، ابتدأ بها المصلي من غير سبب ، فأما ذوات الأسباب من الصلوات المفروضات ، والمسنونات فيجوز فعلها في جميع هذه الأوقات كالفائتة ، والوتر ، وركعتي الفجر ، وتحية المسجد ، وصلاة الجمعة ، والعيدين ، والاستسقاء .

[ ص: 275 ] وقال أبو حنيفة : الأوقات الثلاثة المنهي عن الصلاة فيها لأجل الوقت لا يجوز فيها صلاة فرض ، ولا نفل إلا عصر يومه ، فأما صبح يومه فلا يجوز : لأنها تبطل بطلوع الشمس .

وأما الوقتان اللذان نهي عن الصلاة فيهما لأجل الفعل فلا يجوز فيهما فعل النوافل كلها سواء كان لها أسباب ، أم لا ، وتجوز فيهما الفريضة استدلالا بعموم النهي في الأخبار الأربعة حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد الصنابحي ، وعقبة بن عامر .

قال : ولأن كل وقت منع من نوافل عبادة منع من فرائضها قياسا على يوم الفطر ، ويوم النحر لما لم يجز فيهما صوم التطوع لم يجز فيهما صوم الفرض .

والدلالة على صحة ما ذكرناه رواية عمران بن الحصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من نام عن صلاة ، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فذلك وقتها وكان هذا على عمومه في جميع الأوقات ، فإن قابلوا هذا الخبر بقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " ، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وقالوا : خبركم عام في الأوقات ، وخاص في الصلوات المفروضات ، وخبرنا عام في الصلوات ، خاص في الأوقات فتساوى الخبران .

قلنا : خبرنا أولى : لأن عمومنا لم يدخله التخصيص ، وعموم خبركم دخله التخصيص ، لأنكم تقولون إلا عصر يومه ، والفرائض كلها في الأوقات المنهي عنها لأجل الفعل ، ثم من الدلالة على صحة ما ذكرناه ما رويعن قيس بن قهد قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ، فلما فرغنا قمت وصليت ركعتي الصلوات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما هاتان الركعتان يا قيس ؟ فقلت : ركعتي الصبح فلم ينكره .

وروت أم سلمة قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر فصلى ركعتين ، فقلت : ما هاتان الركعتان ؟ فقال : ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما وفد تميم فنسيتهما وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا صلى أحدكم ركعة من الصبح فطلعت عليه الشمس فليتم صلاته .

وهذا نص بطل به قول أبي حنيفة ، ولأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في الوقت المنهي عن الصلاة فيه .

أصله عصر يومه .

فأما استدلال أبي حنيفة بظاهر الأخبار وعمومها ففيها جوابان :

أحدهما : أنها محمولة على النوافل التي لا أسباب لها بدليل ما ذكرناه .

[ ص: 276 ] والجواب الثاني : أنها محمولة على من قصد تأخيرها ، وإيقاعها في هذه الأوقات المنهي عنها بدليل ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تعمدوا بالصلاة طلوع الشمس وغروبها وأما قياسهم على يوم الفطر والنحر فمنتقض بشهر رمضان يجوز فيه صوم الفرض ، ولا يجوز فيه صوم النفل ، وينتقض أيضا بعصر يومه على أن المعنى في يوم النحر ، ويوم الفطر أن العبادة لا تنعقد فيهما بحال ، وقد تنعقد في هذه الأوقات بعض الصلوات إجماعا وهي عصر يومه ، وسائر الفرائض في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لأجل الفصل ، فلم يصح اعتبار الأصل بالفرع ، وأما اعتراض المزني بالوتر ، وركعتي الفجر فسنشرح المذهب فيهما ، ونوضح الحجة عليه في اعتراضه عند ورود ذلك في بابه إن شاء الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية