الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : ولو أفضى ثيبا كان عليه ديتها ومهر مثلها بوطئه إياها .

قال الماوردي : أما إفضاء المرأة فقد اختلف أصحابنا فيه فذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور المصريين إلى أنه هتك الحاجز الذي بين سبيل الفرجين القبل والدبر ، وذهب أبو حامد الإسفراييني وجمهور البغداديين إلى أنه هتك الحاجز الذي في الفرج بين مدخل الذكر ومخرج البول ، وهذا قول أبي حنيفة ، والأول أظهر ، لأن خرق الحاجز الذي في القبل بين مدخل الذكر ومخرج البول هو استهلاك لبعض منافعه وليس في أعضاء الجسد ما تكمل الدية في بعض منافعه ، وإذا خرق ما بين السبيلين كان استهلاكا لجميع المنافع فكان بكمال الدية أحق .

فإن قيل بهذا أنه خرق ما بين السبيلين كان على خرق الحاجز الذي في القبل حكومة .

وإن قيل : إنه خرق حاجز القبل كان خرق ما بين السبيلين أولى بوجوب الدية ، فإذا ثبت هذا فالإفضاء مضمون بالدية الكاملة وإن كان البول معه مستمسكا ، فإن استرسل البول ولم يستمسك وجب مع دية الإفضاء حكومة في استرسال البول .

[ ص: 294 ] وقال أبو حنيفة : إن استرسل البول بالإفضاء ففيه الدية التامة وحدها من غير حكومة ، وإن استمسك البول ففي الإفضاء ثلث الدية ، واستدل على أنه لا حكومة عليه مع استرسال البول بأن ما ضمن إتلافه بالدية دخل غرم منافعه في ديته ، كما لو قطع لسانه فأذهب كلامه ، أو فقأ عينه فأذهب بصره ، واستدل على أن فيه مع استمساك البول ثلث الدية بأنه ليس هتك هذا الحاجز بأعظم من حاجز الجائفة ، فلما وجبت في الجائفة ثلث الدية كان أولى أن لا يجب في الإفضاء أكثر من ثلث الدية ، وتقدر بثلث الدية ، لأنهما معا هتك حاجز في جوف .

والدليل على أن في استرسال البول حكومة زائدة على دية الإفضاء أنه لما جاز أن يستمسك البول مع وجود الإفضاء وجاز أن يسترسل علم أنه في غير محل الإفضاء فصار من منافع غيره ، فوجب أن يكون أرشه زائدا على أرش الإفضاء ، كما لو قطع أذنه فأذهب سمعه أو جدع أنفه فأذهب شمه لزمه غرمها ، وخالف ذهاب الكلام بقطع اللسان وذهاب البصر بفقء العين لاختصاصهما بمحل الجناية إذ ليس يصح أن يتكلم مع قطع لسانه ولا يبصر مع فقء عينه ، فلذلك لم يضمنها بزيادة على أرش الجناية .

والدليل على أن في الإفضاء دية كاملة أن الأعضاء الباطنة في الجسد أخوف على النفس من الأعضاء الظاهرة فكانت بكمال الدية أحق ، وهذا الحاجز من تمام الخلقة ومخصوص بمنفعة لا توجد في غيره ، لامتياز الحيض ومخرج الولد عن مخرج البول ، لأن الحيض والولد يخرجان من مدخل الذكر ، فإذا انخرق الحاجز بالإفضاء زال بالجناية عليه ما لا يقوم غيره مقامه فأشبه الأعضاء المفردة من اللسان والأنف ، ولأن الإفضاء يقطع التناسل ، لأن النطفة لا تستقر في محل العلوق لامتزاجها بالبول فجرى مجرى قطع الذكر والأنثيين وفي ذلك كمال الدية ، فكذلك الإفضاء .

فأما الاستشهاد بالجائفة فغير صحيح ، لأن دية الجائفة الثلث لاندمالها ، ولو لم تندمل لأفضت إلى النفس فكمل فيها الدية ، والإفضاء غير مندمل فكملت فيه الدية ولو اندمل لما كملت فيه الدية ولوجب فيه حكومة فافترقا .

التالي السابق


الخدمات العلمية