الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ ص: 149 ] باب حكم المرتد

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ومن ارتد عن الإسلام إلى أي كفر ، كان مولودا على الإسلام ، أو أسلم ثم ارتد ، قتل " .

قال الماوردي : أما الردة في اللغة : فهي الرجوع عن الشيء إلى غيره ، قال الله تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين [ المائدة : 121 ] .

وأما الردة في الشرع : فهي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر .

وهو محظور لا يجوز الإقرار عليه .

قال الله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين [ المائدة : 5 ] .

وقال تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة الآية [ البقرة : 217 ] .

وقال تعالى : إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم الآية [ النساء : 137 ] .

وفيها ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنهم اليهود ، آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل ، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ، ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول قتادة .

والثاني : أنهم المنافقون ، آمنوا ثم ارتدوا ، ثم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على كفرهم ، وهذا قول مجاهد .

والثالث : أنهم قوم من أهل الكتاب ، قصدوا تشكيك المؤمنين ، فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر مرة بعد أخرى ، ثم ازدادوا كفرا بثبوتهم عليه ، وهذا قول الحسن .

فإذا ثبت حظر الردة بكتاب الله تعالى ، فهي موجبة للقتل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإجماع صحابته رضي الله عنهم . [ ص: 150 ] روى أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من بدل دينه فاقتلوه .

وروى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس .

وقاتل أبو بكر الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا .

وروى الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، أن أبا بكر قتل أم قرفة الفزارية قتل مثلة ، شد رجليها بفرسين ، ثم صاح بهما فشقاها .

وهذا التناهي منه في نكال القتل ، وإن لم يكن متبوعا فيه فلانتشار الردة في أيامه ، وتسرع الناس إليها ، لتكون هذه المثلة أشد زجرا لهم عن الردة ، وأبعث لهم على التوبة .

ومثله ما روي أن قوما غلوا في علي عليه السلام وقالوا له : أنت إله . فأجج لهم نارا وحرقهم فيها .

فقال ابن عباس : لو كنت أنا لقتلتهم بالسيف ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تعذبوا بعذاب الله ، من بدل دينه فاقتلوه فقال علي رضوان الله عليه :

لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت نارا ودعوت قنبرا

وروى عبد الملك بن عمير قال : شهدت عليا عليه السلام وقد أتى بالمستورد بن قبيصة العجلي وقد تنصر بعد إسلامه . فقال له علي : حدثت عنك أنك تنصرت .

فقال المستورد : أنا على دين المسيح .

فقال له علي : وأنا أيضا على دين المسيح .

ثم قال له : ما تقول فيه ؟ - فتكلم بكلام خفي على علي .

فقال علي رضوان الله عليه : طؤوه ، فوطئ حتى مات . [ ص: 151 ] فقلت للذي يليني : ما قال ؟

قال : إن المسيح ربه .

وروي أن معاذ بن جبل قدم اليمن وبها أبو موسى الأشعري ، فقيل له : إن يهوديا أسلم ، ثم ارتد منذ شهرين .

فقال : والله لا أجلس حتى يقتل ، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقتل
.

التالي السابق


الخدمات العلمية