الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : [ غزوة خيبر ]

ثم دخلت سنة سبع ، وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة خيبر في جمادى الأولى ، وهي على ثمانية برد من المدينة ، وقيل غزاها في المحرم ، نادى في الناس بالخروج إلى جهاد خيبر فتجهزوا ، وخرجوا ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، وأخرج معه أم سلمة ، وفرق الرايات على أصحابه ، ولم يكن قبل خيبر رايات ، وإنما كانت الألوية وكانت راياته سوداء اتخذها من برد لعائشة - رضي الله عنها - فدفع إلى علي بن أبي طالب راية ، وإلى سعد بن عبادة راية ، وإلى الحباب بن المنذر راية ، وسار إلى خيبر ، فنزل بينها وبين غطفان لئلا يظاهروا أهل خيبر عليه ، وقال حين رأى خيبر الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأموال فأخذها ثم فتحها حصنا حصنا ، فكان أول حصن فتحه حصن ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة برحا ألقي عليه من الحصن ، ثم فتح بعده القموص حصن ابن أبي الحقيق ، واصطفى من سباياه صفية بنت حيي بن أخطب كانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، ثم أعتقها ، وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها ، ورأى في وجهها أثرا ، فقال : ما هذا الأثر : فذكرت أنها رأت في المنام - وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق - أن قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها فقال : ما هذا إلا أنك تريدين ملك الحجاز محمدا ، ولطم وجهها فاخضر من لطمته ، وهذا أثره ، وأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وكان عنده كنز لبني النضير ، فسأله عنه فأنكره ، فأتاه يهودي فأخبره أنه كان يطيف بهذه الخربة كل غداة ، فقال لكنانة : إن وجدت هذا الكنز عندك أقتلك ؟ قال : نعم . فأمر بالخربة ، فحفرت فخرج منها بعض الكنز ، وسأله عن باقيه فأنكره ، فسلمه إلى الزبير فعذبه حتى استخرج منه الباقي ثم سلمه إلى محمد بن مسلمة حتى قتله بأخيه محمود بن مسلمة .

قال الزهري : ولم يسب أحد من أهل خيبر إلا آل أبي الحقيق لأجل هذا .

[ ص: 53 ] ثم فتح حصن الشق ، وحصن النطاة ، وحصن الصعب بن معاذ ، وكان أكبر الحصون ، وأكثرها مالا ، وحصن الكتيبة ، وبقي حصن الوطيح ، وحصن السلالم ، فحاصرهما بضع عشرة ليلة ، وعندهما اشتد القتال ، وبرز مرحب اليهودي ، وهو يرتجز ويقول :


قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب     أطعن أحيانا وحينا أضرب
أكفي إذا أشهد من تغيب     فإذا الليوث أقبلت تحرب
كأن حماي للحمى لا يقرب

فبرز إليه من مثله ، واختلف في قاتله ، فحكى جبار بن عبد الله أنه برز إليه محمد بن مسلمة فقتله .

وحكى بريدة الأسلمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ربما أخذته الشقيقة ، فيلبث فيها اليوم واليومين لا يخرج ، فأخذته الشقيقة بخيبر ، فلم يخرج إلى الناس ، فأخذ الراية أبو بكر ونهض فقاتل قتالا شديدا ، ورجع ثم أخذ الراية عمر فنهض ، وقاتل قتالا شديدا ، ثم رجع وبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : والله لأعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله فلما كان من الغد دفع الراية إلى علي ، وكان بعينه رمد ، فتفل فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ريقه وخرج ، فبرز إليه مرحب مرتجزا بما قال من رجزه :


أنا الذي سمتني أمي مرحب     شاكي السلاح بطل مجرب

فبرز إليه علي ، وهو يقول :


أنا الذي سمتني أمي حيدره     أكيلكم بالسيف كيل السندره


ليث غابات شديد قسوره

فاختلفا ضربتين ، فضربه علي فقتله ، ثم فتح الحصنين الباقيين ، ولما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدت له زينب بنت الحارث اليهودية ، وهي بنت أخي مرحب وامرأة سلام بن مشكم شاة مصلية مسمومة ، وأكثرت من سمها في الذراع : لأنه كان أحب الشاة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الذراع ومضغه ، ولم يسغه وأكل معه بشر بن البراء بن معرور ، فأما بشر فمات ، وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال : إن العظم ليخبرني أنه [ ص: 54 ] مسموم ودعى بالمرأة ، وسألها ، فاعترفت فقال : ما حملك على هذا : فقالت : بلغت من قومي ما بلغت ، فقلت : إن كان نبيا فسيخبر ، وإن كان ملكا استرحنا منه ، واختلف فيها هل قتلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم لا ؟ فحكى الواقدي أنه قتلها ، وحكى ابن إسحاق أنه تجاوز عنها ، وأن أم بشر بن البراء بن معرور دخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه فقال لها : يا أم بشر إن هذا أوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلتها مع ابنك بخيبر .

والأبهر عرق في الظهر ، فكان قوم يرون أنه مات - مع كرامة الله [ له بالنبوة ] - شهيدا .

ولما جمعت الغنائم استعمل عليها فروة بن عمرو البياضي ، وأمر زيد بن ثابت إحصاء الناس ، فكانوا ألفا وأربعمائة ، والخيل مائتا فرس ، فجعل لكل فارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهما ، فقسم خيبر على ستة وثلاثين سهما ، جعل نصفها ثمانية عشر سهما لنوائبه ، ونصفها ثمانية عشر سهما للغانمين ، فأعطى كل مائة سهما ، وعامل أهل خيبر بعد زوال ملكهم عنها على الشطر من ثمرها حتى أجلاهم عمر عنها : لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عند مساقاتهم : أقركم ما أقركم الله ، وكانت حصونهم ثمانية أخذ منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصف الذي له ثلاثة حصون : الكتيبة ، والوطيح ، والسلالم ، ودفع إلى المسلمين بالنصف خمسة حصون : ناعم ، والقموص ، وشق ، والنطاة ، وحصن الصعب بن جثامة .

وفي خيبر حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكاح المتعة وأكل الحمر الأهلية .

وفي خيبر قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدوسيون ، وفيهم أبو هريرة ، وقدم عليه الأشعريون ، وقدم عليه من أرض الحبشة من تخلف بها من المهاجرين ، وكانوا ستة عشر نفسا ، فيهم جعفر بن أبي طالب في سفينتين حملهم النجاشي فيها ، وكان قد أرسل لعمرو بن أمية الضمري في حملهم إليه ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ما أدري بأيهما أسر بقدوم جعفر ، أو بفتح خيبر وقدمت أم حبيبة بنت أبي سفيان بعد أن تزوجها [ ص: 55 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض الحبشة من خالد بن سعيد بن العاص ، وساق النجاشي صداقها أربعمائة دينار ، وقتل بخيبر من اليهود ثلاثة وتسعين رجلا ، وقتل من المسلمين خمسة عشر رجلا ، ولما سمع أهل فدك ما فعل بأهل خيبر بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحقن دماءهم ، ويسيرهم ويخلوا له أموالهم ، ومشى بينه وبينهم محيصة بن مسعود ، فاستقر على هذا ، وصارت فدك خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لأنه أخذها بلا إيجاف خيل ولا ركاب ، فكانت فيئا له ، وكانت خير غنيمة للمسلمين .

ولما صالح أهل خيبر على النصف من الثمر صالح أهل فدك على مثله : لهم نصف الثمر بعملهم ، ونصفه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفيء .

وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر إلى وادي القرى ، ثم سار إلى المدينة وفي سفره هذا نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ، فأمر بلالا فأقام الصلاة ، وصلى فلما سلم أقبل على الناس ، وقال : إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها ، فإن الله تعالى يقول : وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] .

ولما عاد إلى المدينة اتخذ منبره درجتين والمستراح ، وصار يخطب عليه بعد الجذع الذي كان يستند إليه ، ولما عدل عنه إلى المنبر حن إليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية