الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإن جاءت امرأة رجل منهم تستعدي بأنه طلقها ، أو آلى منها ، حكمت عليه حكمي على المسلمين ، وأمرته في الظهار أن لا يقربها حتى يكفر رقبة مؤمنة ، كما يؤدي الواجب من حد وجرح وأرش ، وإن لم يكفر عنه ، وأنفذ عتقه ، ولا أفسخ نكاحه : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عفا عن عقد ما يجوز أن يستأنف ، ورد ما جاوز العدد ، إلا أن يتحاكموا وهي في عدة فنفسخه ، وهكذا كل ما قبض من ربا ، أو ثمن خمر ، أو خنزير ، ثم أسلما أو أحدهما عفي عنه " .

قال الماوردي : وجملة ذلك أنه لا يخلو حال ما استعدت فيه على زوجها من أن يكون من محظورات دينهم أو من مباحاته .

[ ص: 388 ] فإن كان من محظورات دينهم المنكرة وجب على حاكمنا أن يعديها عليه : لأن دار الإسلام تمنع من إقرار ما يتفق على إنكاره ، وإن كان من مباحات دينهم ، ففي وجوب إعدائها عليه قولان :

أحدهما : أنه يجوز ، ولا يجب .

والثاني : أنه يجب ، وهو على اختلاف القولين في جريان أحكامنا عليهم .

فإن أعداها عليه وجوبا أو جوازا لم يحكم بينهما إلا بما يوجبه دين الإسلام ، ولا يحكم بينهما بأحكامهم في دينهم : لقول الله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [ المائدة : 42 ] .

فإن كان الحكم من طلاق بائن لم تجز له الرجعة في العدة إذا كان أقل من ثلاثة ، وأحرمها عليه بعد الثلاث حتى تنكح زوجا غيره ، وإن كان في إيلاء أصله أربعة أشهر ثم ألزمه الفيء أو الطلاق .

وإن كان في ظهار أحرمها عليه بعد العود حتى يكفر بعتق رقبة مؤمنة ، ولم يجز أن يصوم فيها حتى يسلم ، وفي جواز إطعامه فيها وجهان :

أحدهما : يجوز : لأنه إطعام .

والثاني : لا يجوز لأنه بدل عن الصيام .

وإن كان في عقد نكاح راعاه ، فإن كانت ممن تحرم عليه من ذوات المحارم أبطل نكاحها ، وإن كانت ممن تحل له لم يكشف عنه عقد النكاح ، وحكم بينهما بإمضاء الزوجية ، كما يقرون عليه إذا أسلموا .

وإن كان في مهر تقابضاه : أمضاه حلالا كان أو حراما ، وإن لم يتقابضاه لم يحكم بقبضه ، ولا بقيمته وحكم لها بمهر المثل ، وكذلك سائر الأحكام ، وكذلك في استعداء غير الزوجين .

التالي السابق


الخدمات العلمية