الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " وإذا كان رميهما مبادرة فبلغ تسعة عشر من عشرين رمى صاحبه بالسهم الذي يراسله ثم رمى البادئ فإن أصاب سهمه ذلك فلج عليه ، وإن لم يرم الآخر بالسهم : لأن المبادرة أن يفوت أحدهما الآخر وليس كالمحاطة ( قال المزني ) رحمه الله : هذا عندي لا ينضله حتى يرمي صاحبه بمثله " .

قال الماوردي : قد ذكرنا أن الرمي ضربان : محاطة ، ومبادرة .

وقد مضت المحاطة ، وهذه المبادرة ، وصورتها : أن يتناضلا على إصابة عشرة من ثلاثين مبادرة ، فيكون الرشق ثلاثين سهما ، والإصابة المشروطة منها عشرة أسهم ، فأيهما بدر إلى إصابتها في أقل العددين فيه فضل ، وسقط رمي الرشق وإن تكافآ في الإصابة من عدد متساو سقط رمي الثاني وليس منهما فاضل .

وبيانه أن يصيب أحدهما عشرة من عشرين ، ويصيب الآخر تسعة من عشرين ، فيكون الأول ناضلا ؛ لأنه استكمل إصابة عشرة من عشرين ، وقد رماها الثاني فنقص منها ، ولا يرميان بقية الرشق لحصول النضل ، فلو أصاب كل واحد منهما عشرة من عشرين لم يكن فيهما ناضل ولا منضول ، وسقط رمي الباقي من الرشق ؛ لأن زيادة الإصابة فيه مقيدة لنضل ، ولو أصاب أحدهما خمسة من عشرين وأصاب الآخر تسعة من عشرين ، فالنضال بحاله ؛ لأن عدد الإصابة لم يستوف فيرميان من بقية الرشق ما [ ص: 214 ] يكمل به إصابة أحدهما عشرة ، فإن رمى الأول سهما فأصاب فقد فلج على الثاني ، ونضل وسقط رمي الثاني ، ولو رمى الأول خمسة ، فأخطأ في جميعها ، ورمى الثاني خمسة فأصاب في جميعها صار الثاني ناضلا وسقط رمي الثاني في الرشق : لأن الأول أصاب تسعة من خمس وعشرين وأصاب الثاني عشرة من خمسة وعشرين ، ثم على هذه العبرة .

فأما مسألة الكتاب فصورتها أن يتناضلا على إصابة عشرة من ثلاثين مبادرة ، فيصيب البادئ منهما تسعة من تسعة عشر ، ويصيب الآخر المبدأ ثمانية من تسعة عشر ، ثم رمى البادئ سهما آخر يستكمل به العشرين فيصيب ، فيصير به ناضلا ، ويمنع الآخر المبدأ من رمي السهم الآخر الذي رماه الثاني ؛ لأنه لا يستفيد به نضالا ولا مساواة : لأن الباقي له من العشرين سهم واحد وعليه إصابتان ، ولو رمى فأصابه بقيت عليه إصابة يكون بها منضولا ، فلم يكن لرميه معنى يستحقه بالعقد ، فلذلك منع منه ، ولو كان كل واحد منهما قد أصاب تسعة من تسعة عشر ثم رمى البادئ وأصاب ، كان للمبدأ أن يرمي لجواز أن يصيب فيكافئ . فأما المزني فظن أن الشافعي منع المبدأ أن يرمي بالسهم الباقي في هذه المسألة فتكلم عليه ، وليس كما ظن ، بل أراد منعه في المسألة المتقدمة للتعليل المذكور .

التالي السابق


الخدمات العلمية