الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " ومن حلف لا يفعل فعلين أو لا يكون أمران ، لم يحنث حتى يكونا جميعا وحتى يأكل كل الذي حلف أن لا يأكله " .

قال الماوردي : عقد اليمين على فعلين ضربان :

أحدهما : أن يعقد على إثباتهما .

والثاني : أن يعقد على نفيهما .

فإن كانت معقودة على إثباتهما كقوله : والله لآكلن هذين الرغيفين ، ولألبسن هذين الثوبين ، ولأركبن هاتين الدابتين ، فلا خلاف بين القضاء أنه لا يبر إلا بفعلهما فيأكل الرغيفين ، ويلبس الثوبين ويركب الدابتين ، فإن أكل أحد الرغيفين ولبس أحد الثوبين وركب إحدى الدابتين لم يبر ، وهذا متفق عليه ، وإن كانت اليمين معقودة على نفي فقال : والله لا أكلت هذين الرغيفين ، ولا لبست هذين الثوبين ، ولا ركبت هاتين الدابتين ، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث إلا بهما ، كما لا يبر إلا بهما ، فإن أكل أحد الرغيفين ، ولبس أحد الثوبين ، وركب إحدى الدابتين لم يحنث .

وقال مالك : يحنث بفعل أحدهما ، وإن لم يبر إلا بهما وفرق بينهما من وجهين :

أحدهما : أن الإثبات إباحة ، والنفي حظر ، والحظر أغلب من الإباحة .

والثاني : أن الأيمان موضوعة على التغليظ ، والتغليظ في النفي أن يحنث بأحدهما ، وفي الإثبات أن لا يبر إلا بهما ، وهذا فاسد من وجهين :

أحدهما : أن فعل بعض الشيء لا يقوم مقام فعل جميعه في النفي والإثبات معا وفاقا وشرعا ؛ لأنه لو حلف لا يدخل هذه الدار ، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يحنث .

ولو حلف ليدخلنها ، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يبر ، وهذا وفاق قد ورد به الشرع ، قد اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مساجده فأدخل رأسه منه إلى حجرة عائشة رضوان الله عليها لتغسله ، ولم يؤثر في اعتكافه .

[ ص: 380 ] وقال لبعض أصحابه ، وهو في المسجد الحرام : لقد أنزلت علي آية لم تنزل على أحد قبلي إلا على أخي سليمان ، قال : يا رسول الله ، أي آية هي ؟ قال : لا أخرج من المسجد حتى أعلمك فتوجه للخروج ، وقدم إحدى رجليه فأخرجها ، ثم قال للرجل : بم تستفتح صلاتك قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : " هي ، هي " .

فدل على أن إخراج إحدى رجليه لا يكون خروجا ، وإذا كان بعض الفعل لا يقوم مقام جميع الفعل ، فأحد الفعلين أولى أن لا يقوم مقام الفعلين .

والثاني : أنه لما استوى الفعلان في شرط البر وجب أن يستويا في شرط الحنث ، لتردد اليمين بين بر وحنث ، وفرق ما بينهما منتقض بفعل بعض الشيء حيث لم يقم مقام جميعه في الإثبات والنفي معا مع وجود الحظر والإباحة فيهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية