الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : [ العمل ] .

وأما الشرط الثالث وهو العمل : فيلزم الإمام أن يبعث على البلد الذي يقلده قاضيا فيقول : قلدتك قضاء البصرة أو يقول : قلدتك قضاء الكوفة ليكون العمل معلوما .

[ ص: 13 ] فإن قال : قلدتك قضاء البصرة أو الكوفة لم يجز للجهل بالعمل . وكذلك لو قال : قلدتك قضاء أي بلد شئت أو أي بلد رضيك أهله لم يجز وكان التقليد فاسدا للجهل بالعمل وإذا قلده قضاء البصرة لم يخل حال نواحيها وسوادها من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن ينص على دخوله في تقليده فتصير ولايته مشتملة على البصرة وجميع نواحيها وأعمالها المنسوبة إليها .

والقسم الثاني : أن ينص على خروجه من تقليده فتكون ولايته مقصورة على دخوله في تقليده فتصير ولايته مشتملة على البصرة دون أعمالها ونواحيها .

والقسم الثالث : أن يمسك عن ذكر نواحيها وأعمالها فيعتبر حال أعمالها ، فإن كان العرف فيها جاريا بإفرادها عن قاضي البصرة لم تدخل في ولايته وإن جرى العرف بإضافتها إلى قاضي البصرة دخلت في ولايته .

فإن اختلف العرف في إفرادها وإضافتها روعي أكثرها عرفا فإن استويا روعي أقربها عهدا فإن كان الأكثر أو الأقرب إفرادها خرجت من ولايته وإن كان الأكثر أو الأقرب إضافتها دخلت في ولايته .

التقليد العام والخاص :

ويجوز أن يكون التقليد عاما ومخصوصا .

فالعام : أن يقلده قضاء جميع البلد والقضاء بين جميع أهله والقضاء في جميع الأيام ؛ فتشتمل الولاية على الأحوال الثلاث ، في جميع البلد وعلى جميع أهله وفي جميع الأيام .

والمخصوص : ينقسم ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون مخصوصا في بعض البلد .

والثاني : أن يكون مخصوصا في بعض أهله .

والثالث : أن يكون مخصوصا في بعض الأيام .

تحديد العمل بالمكان :

فأما القسم الأول وهو أن يكون التقليد مقصورا على قضاء بعض البلد فيجوز إذا كان معينا سواء اقتصر به على أكثر البلد أو على أقله ولو محلة من محاله لأن القضاء يعم ويخص .

فإذا قلده من البصرة القضاء في جانب ربيعة أو القضاء في جانب مضر كان مقصور الولاية على الجانب الذي قلده سواء كان للجانب الآخر قاض أو لم يكن .

[ ص: 14 ] فإن قلده جانب ربيعة وقلد آخر جانب مضر كانت ولاية كل واحد منهما مقصور على جانبه ، ويجوز أن ينظر فيه بين أهله دون الطارئين إليه فلا يتعداهم ويقف نظره على ما قلد .

فإن كان بين الجانبين موضع مشترك بينها روعي الأغلب عليه في إضافته إلى أحدهما فجعل داخلا فيه فإن استوى الأمران فيه روعي القرب ، فما كان منه أقرب إلى جانب ربيعة دخل في ولاية قاضيه وما كان منه أقرب إلى جانب مضر دخل في ولاية قاضيه .

فلو تحاكم من الجانبين رجلان فدعا كل واحد منهما إلى قاضي جانبه نظر ، فإن كان عند التنازع قد اجتمعا في أحد الجانبين أجيب قول من هو في جانبه في التحاكم إلى قاضيه لأن خصمه فيه ، طالبا كان أو مطلوبا .

وإن كان بكل واحد منهما في جانبه عند التنازع فليس لواحد منهما أن يجبر الآخر على التحاكم إلى قاضيه لأن قاضيه لا يقدر أن يعديه على خصمه لخروجه عن نظره طالبا كان أو مطلوبا .

فإن أراد الطالب أن يستعدي قاضي المطلوب على خصمه وجب عليه أن يعديه ويحكم بينهما في جانبه لحصولهما في عمله .

فإن حصل أحد القاضيين في جانب الآخر لم يكن له أن يحكم فيه بين من تنازع إليه سواء كان من أهل عمله أو غير عمله لأن حكمه لا ينفذ إلا في عمله .

وإذا قلد الإمام قاضيين في بلد لينظر كل واحد منهما بين جميع أهله ففي جوازه لأصحابنا وجهان :

أحدهما : لا يجوز لما يفضي إليه أمرها من التجاذب في تنازع الخصوم إليهما وتبطل ولايتهما إن جمع بينهما في التقليد وتصح ولاية الأول إن قلد أحدهما بعد الآخر .

والثاني : وهو قول الأكثرين أنه يجوز لأنها استنابة كالوكالة التي يجوز أن يجتمع فيها وكيلان على اجتماع وانفراد .

فإن اختصم خصمان وجذب كل واحد منهما خصمه إلى أحدهما عمل على قول الطالب منهما دون المطلوب وحاكمه إلى من أراده منهما ، لأن حكم كل واحد من القاضيين نافذ عليهما بخلاف ما قدمناه في القاضيين إذا كانا في جانبين لقصور نظر كل واحد منهما على جانبه وعموم نظر هذين القاضيين في جميع البلد .

[ ص: 15 ] فإن كان كل واحد من المتنازعين طالبا ومطلوبا لتحاكمهما في قسمة ملك أو اختلافهما في ثمن مبيع أو قدر صداق يوجب تحالفهما فيه عمل على قول من دعا إلى أقرب القاضيين إليهما .

فإن استويا في القرب ففيه وجهان :

أحدهما : يقرع بينهما ويعمل بقول من قرع منهما .

والوجه الثاني : يقطع التنازع بينهما حتى يتفقا على الرضا بأحدهما .

وإذا قلد القاضي جميع البلد لينظر في أحد جانبيه أو في محلة منه أو في جامعه

لم يصح لعموم ولايته ، وكان التقليد باطلا إن جعل ذلك شرطا فيه كقوله قلدتك على أن تنظر فيه لتنافي حكم الشرط والإطلاق .

وإن خرج عن الشرط إلى الأمر كقوله : قلدتك قضاء البصرة فانظر في جامعها صح التقليد وبطل الشرط وجاز له أن ينظر في الجامع وغير الجامع : لأنه لا يملك الحجر عليه في مواضع جلوسه .

ولكن لو قال ، قلدتك على أن تحكم في الجامع بين من جاءك فيه صح ولم يجز أن يحكم في غيره ، بخلاف الولاية العامة لأن جعل الولاية مقصورة هاهنا على من جاء الجامع وهم لا يتعينون إلا فيه فلم يجز أن يحكم في غيره لخروجهم من ولايته .

التالي السابق


الخدمات العلمية