الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
من يبدأ بالكلام من الخصمين .

مسألة : قال الشافعي : وينبغي أن يبتدئ الطالب فإذا أنفذ حجته تكلم المطلوب " .

قال الماوردي : أما إن اتفقا على الطالب منهما والمطلوب ، فالمبتدئ بالكلام منهما هو الطالب قبل المطلوب : لأن كلام الطالب سؤال ، وكلام المطلوب جواب . فإن تنازعا في الطالب والمطلوب منهما فقال كل واحد منهما : أنا طالب وأنت مطلوب ، نظر : فإن سبق أحدهما فهو الطالب ، وصاحبه هو المطلوب وإن قالا معا ، ولم يسبق به أحدهما ، ففيه ما قدمناه من الوجهين :

أحدهما : الإقراع بينهما .

والثاني : صرفهما حتى يتفقا على الطالب منهما .

[ ص: 280 ] فإذا صار أحدهما طالبا والآخر مطلوبا ، بدأ الطالب بدعواه فإن عارضه المطلوب في الكلام ، قبل استيفاء الدعوى ، منعه القاضي من معارضته ، حتى يستوفيها .

فلو أن الطالب كتب دعواه في رقعة ثم دفعها إلى القاضي وقال قد أثبت دعواي في هذه الرقعة ، وأنا مطالب له بما فيها ، فقد اختلف فيه ، على وجهين :

أحدهما : أنه لا يقبل القاضي هذا منه حتى يذكره نطقا بلسانه ، أو يوكل من ينوب عنه ، وهو قول شريح ؛ لأن الطلب يكون باللسان ، دون الخط .

والوجه الثاني : أن القاضي وإن لم يجب عليه فلا بد أن يقرأها على الطالب ويقول له : أهكذا تقول أو تدعي ؟

فإذا قال : نعم ، سأل المطلوب عن الجواب ، ولا يجوز أن يسأله قبل قراءتها على الطالب واعترافه بما تضمنها .

فإن فعل المطلوب في جواب الدعوى مثل ذلك وكتب جوابه في رقعة ودفعها إلى الحاكم ، فقال : هذا جوابي عن الدعوى ، كانا في القبول والامتناع على سواء إن جوزناه في الطالب .

فإن قدم المطلوب الإقرار قبل استيفاء الدعوى ، لزمه الإقرار ، وسقط جوابه عن الدعوى إذا وافقت إقراره .

وإن قدم الإنكار لم يقنع في الجواب وطولب به بعد استيفاء الدعوى : لأن الإقرار التزام ، جاز تقديمه ، والإنكار إسقاط فلم يجز تقديمه ، فإن أنكر بعد استيفاء الدعوى ، فقد اختلف فيما يختار أن يقوله القاضي للطالب .

فاختار بعض أصحابنا أن يقول له القاضي : قد أنكرك ما ادعيته عليه فماذا تريد ؟

وقال آخرون منهم : الاختيار أن يقول قد أنكرك ما ادعيت ، فهل من بينة ؟ وهو الأشبه . لرواية وائل بن حجر أن رجلا من حضرموت حاكم رجلا من كندة ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض فقال للحضرمي : ألك بينة ؟ قال : لا . فقال : فيمينه ، فقال : يا رسول الله إنه فاجر ، ليس يبالي ما حلف عليه ، وليس يتورع من شيء ، فقال : ليس لك إلا ذاك .

التالي السابق


الخدمات العلمية