الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : والضرب الثاني : ما كان من حقوق الآدميين ، وهي تنقسم ثلاثة أقسام تختلف في الجنس والعدد :

أحدها : وهو أوسعها ، وهو ما يقبل فيه شاهدان وشاهد وامرأتان ، وشاهد ويمين ، وهو المال وما كان مقصوده المال ، لقول الله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [ البقرة : 282 ] . وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين .

والقول الثاني : ما يقبل فيه شهادة النساء منفردات ، وهو الولادة ، والاستهلال ، والرضاع ، وما لا يجوز أن يطلع عليه الرجال الأجانب من العيوب المستورة بالعورة ، فيقبل فيه أربع نسوة ، وجوز أبو حنيفة في الولادة قبول شهادة القابلة وحدها ، والكلام معه يأتي .

فإن شهد بذلك شاهدان ، أو شاهد وامرأتان ، قبل ، لأن شهادة الرجال أغلظ ، ولا يقبل فيه شاهد ويمين .

والقسم الثاني : ما يقبل فيه شهادة رجلين ولا يقبل فيه شهادة النساء بحال ، وهو كل ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال ، ويجوز أن يطلع عليه الرجال الأجانب ، كالنكاح ، والطلاق ، والخلع ، والرجعة ، والقصاص ، والقذف ، والعتق ، والنسب ، والكتابة ، والتدبير ، وعقد الوكالة ، والوصية ، فلا يقبل في جميع ذلك شهادة النساء .

وبه قال مالك ، والأوزاعي ، والنخعي ، وأكثر الفقهاء .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، وسفيان الثوري : أقبل في جميع ذلك شهادة رجل وامرأتين إلا في القصاص والقذف ، استدلالا بقول الله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [ البقرة : 282 ] . فكان محمولا على عمومه في كل حق إلا ما خصه دليل .

[ ص: 9 ] قالوا : ولأنه حتى يثبت مع الشبهة ، فجاز أن يثبت بشاهد وامرأتين كالأموال .

ودليلنا أن الله تعالى نص في الشهادة فيما سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع في الطلاق والرجعة والوصية ، فقال تعالى : فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم [ الطلاق : 2 ] . وقال في الوصية : إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم [ المائدة : 106 ] . فنص على شهادة الرجال ، فلم يجز أن يقبل فيه شهادة النساء كالزنى .

فروى مالك ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ، ولا في النكاح ، ولا في الطلاق .

وهذا وإن كان مرسلا ، فهو لازم لهم ، لأن المراسيل حجة عندهم ، ولأن كلما لم يكن المقصود منه المال إذا لم يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد ، لم يقبلن فيه مع الرجال ، كالقصاص .

وإن اعترضوا بالوكالة والوصية أن المال يتعلق بهما ، فهلا جاز إثباتهما بشاهد وامرأتين ؟

قيل : ليس في عقد الوكالة والوصية مال ، وإنما أريد بهما التصرف في المال ، وإنما هي تولية أقيم الرجل فيها مقام غيره ، ولأن الحقوق ضربان : حقوق الله تعالى ، وحقوق الآدميين ، فلما وقع الفرق في حقوق الله تعالى ، بين أعلاها وأدناها في العدد . فأعلاها الزنى ، وأدناها الخمر ، وجب أن يقع الفرق في حقوق الآدميين بين أعلاها وأدناها في الجنس ، فأعلاها حقوق الأبدان ، وأدناها حقوق الأموال ، فأما الجواب عن الآية ، فهو أنها نص في الأموال ، فلم يصح استعمال العموم فيها .

وأما الجواب عن قياسهم على الأموال ، فهو أنه يصح الإبراء منها والإباحة لها .

التالي السابق


الخدمات العلمية