الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : قال " ولا يحيل حكم الحاكم الأمور عما هي عليه ، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقضي بالظاهر ويتولى الله عز وجل السرائر فقال : من قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فلو [ ص: 11 ] شهدا بزور أن رجلا طلق امرأته ثلاثا ، ففرق الحاكم بينهما ، كانت له حلالا غير أنا نكره أن يطأها فيحدا ، ويلزم من زعم أن فرقته فرقة تحرم بها على الزوج ويحل لأحد الشاهدين أن يتزوجها فيما بينه وبين الله عز وجل ، أن يقول : لو شهدا له بزور أن هذا قتل ابنه عمدا ، فأباح له الحاكم دمه ، أن يريق دمه ويحل له فيما بينه وبين الله عز وجل " .

قال الماوردي : وهذا كما قال . إذا حكم الحاكم لطالب حق بشهادة شاهدين ، فإن كانا صادقين كان حكمه صحيحا في الظاهر ، والباطن ، وإن كانا كاذبين كان حكمه نافذا في الظاهر ، وباطلا في الباطن ، ولم يحل للمحكوم له فيما بينه وبين الله تعالى ، أن يستبيح ما حكم به ، سواء كان مالا أو فرجا ، أو قتلا ، وهكذا لو طولب بمال يقبل فيه قوله مع يمينه كالودائع ، والشرك ، والمضاربات ، فأحلفه الحاكم عند إنكاره وإن كان صادقا برئ في الظاهر والباطن ، وإن كان كاذبا برئ في الظاهر دون الباطن ، ولم يستبح ما حلف عليه ، ولا يحيل حكم الحاكم الأمور عما هي عليه في الباطن ، وبه قال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد .

وقال أبو حنيفة : ينفذ حكمه في الظاهر والباطن فيما تعلق بالفروج دون القتل والأموال ، حتى قال في شاهدين زور شهدا لرجل بنكاح امرأة ، حل له إصابتها ، وورثها إن ماتت وإن علم كذب الشاهدين .

وقال : لو شهدا بزور على رجل بطلاق زوجته ، حل لها أن تتزوج غيره ، وحل لكل واحد من شاهدي الزور أن يتزوجها إذا حكم الحاكم بشهادتهما ، وقال في شاهدي زور شهدا لرجل أن هذه المرأة بنته ، ثبت نسبها ظاهرا وباطنا ، وصار محرما لها ، وورثها إن ماتت ، استدلالا بما روي أن رجلا ادعى نكاح امرأة عند علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، فجحدته ، فشهد له بنكاحها شاهدان ، فحكم بينهما بالزوجية ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، والله ما تزوجني . فاعقد بيننا عقدا أحل به له فقال : شاهداك زوجاك . أي : جعلاك زوجته .

قالوا : ولأن ما لزم به الحكم أنفذ في الظاهر والباطن كشاهدي الصدق .

قالوا : ولأنه حكم ينفذ مع ظهور الصدق ، فجاز أن ينفذ مع ظهور الكذب كاللعان .

قالوا : ولأن حكم الحاكم إذا نفذ باجتهاده فيما اختلف فيه نفذ ظاهرا وباطنا ، كتوريث الجد جميع المال مع الإخوة ، وكانقطاع الفرقة فيمن قال لزوجته أنت علي حرام ، وجاز أن يستبيح المحكوم له بذلك ، وإن اعتقد خلافه كذلك في المحكوم له بشهادة الزور ، لنفوذ الحكم بهما في الحالين .

[ ص: 12 ] ودليلنا الكتاب ، والسنة ، والاعتبار .

فأما الكتاب فقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس [ البقرة : 188 ] . الآية .

وفي تفسير هذه الآية دلائل كالنصوص فقوله : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فيه تأويلان :

أحدهما : بالظلم .

والثاني : بالحرام .

ولا ينفك الحكم بشهادة الزور منها .

وفي قوله تعالى : وتدلوا بها إلى الحكام تأويلان :

أحدهما : وتترافعوا فيها إلى الحكام .

والثاني : وتحتجوا بها عند الحكام .

وهذه صفة المشهود له بالزور .

وفي قوله : لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون أي : أموال فريق من الناس .

بالإثم فيه تأويلان :

أحدهما : بشهادة الزور ، وهذا نص .

والثاني : بالجحود ، وهو في معنى النص .

وأما السنة فما رواه الشافعي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على غيره بما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ، فلا يأخذه منه فإنما أقطع له قطعة من النار " وهذا نص ، لأنه أخبر أنه يقضي بالظاهر ، وأنه على حقيقته في الباطن لا يحل حراما ، ولا يحرم حلالا .

وروى أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع القاتل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدفعه إلى ولي المقتول ، فقال [ ص: 13 ] القاتل : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت قتله قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للولي : " أما إنه إن كان صادقا ، فقتلته دخلت النار " ، فخلى سبيله ، فخرج يجر نسعته ، فسمي ذا النسعة .

فموضع الدليل منه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذنه في قتله أخبر أنه كان صادقا ، فأحرم قتله ، فدل على نفوذ الحكم في الظاهر دون الباطن وأما الاعتبار فهو أن شهادة الزور أفسد من شهادة العبد والكافر ، وحكم الأموال أخف من حكم الفروج ، فلما لم ينفذ الحكم في الباطن بشهادة العبد والكافر ، كان أولى أن لا تنفذ في الفروج بشهادة الزور ، ولما لم ينفذ بشهادة الزور في الأموال ، كان أولى أن لا تنفذ في الفروج ، ويتحرر من اعتلال هذا الاستدلال قياسان :

أحدهما : أن كل شهادة لا ينفذ بها حكم الباطن في الأموال لم ينفذ في الفروج قياسا على شهادة العبد والكافر .

والقياس الثاني : أن كل حكم لا ينفذ في الباطن بشهادة العبد والكافر لم ينفذ بشهادة الزور ، بخلاف الحكم في الأموال .

فإن قالوا : الأموال لا مدخل للحكام في نقلها ، ولهم مدخل في نقل الفروج بتزويج الأيامى ، ووقوع الفرقة بالعنة والفسخ بالعيوب ، فلذلك وقع الفرق بين الأموال والفروج .

والعبد والكافر ليس من أهل الشهادة ، وشاهد الزور من أهل الشهادة ، فلذلك وقع الفرق بينهما .

قيل : الجواب عن فرقه بين الأموال والفروج من وجهين :

أحدهما : أن له في نقل الأموال ولاية كالفروج : لأن له أن يبيح على الصغير ماله لحاجته وعلى المفلس ماله لحاجة غرمائه .

والثاني : ليس له ولاية في نقل الفروج ، كما ليس له ولاية في نقل الأموال ، لأنه لا يزوج ، ولا يفسخ إلا باختيار ، ولو ملك الولاية لنقلها بالاختيار .

وعن فرقه بين شهادة الزور وبين شهادة العبد والكافر جوابان :

أحدهما : أنه لما استويا في إبطال الحكم عند العلم بهما قبل الحكم ، وجب أن يستويا فيه عند العلم بهما بعد الحكم .

[ ص: 14 ] والثاني : أنه سمع شهادة الزور على أنها ليست بزور ، كما يسمع شهادة العبد على أنه ليس بعبد ، فلما كان خطؤه في العبد مبطلا لحكمه في الحالين وجب أن يكون خطؤه في شهادة الزور مبطلا لحكمه في الحالين ، ولأنه يصير بشهادة الزور فاسقا وحكمه بشهادة الفاسق مردود في الحالين نصا ، ورد شهادة العبد في الحالين اجتهادا ، ثم من الدليل على ذلك أن الحكم يبطل بفساد الشهادة كما يبطل إذا خالف باجتهاده نصا ، فلما كان فساده بمخالفة النص يبطل ظاهرا وباطنا وجب أن يكون فساده بشهادة موجبا لإبطاله ظاهرا وباطنا .

فإن قيل : ما خالف النص لا يكون حكما .

قيل : وكذلك ما أمضاه بشهادة الزور لا يكون حكما ، ولأنه حكم بشهادة زور ، فوجب أن يكون باطلا كالحكم بالقصاص .

فأما الجواب عن حديث علي ، عليه السلام ، من قوله : شاهداك زوجاك ، فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه مجهول عند أصحاب الحديث ، فكان أسوأ حالا مما ضعف إسناده .

والثاني : أنه لم يعلم كذب الشهود ، فلم يبطل شهادتهم ، والخلاف إذا علمها .

والثالث : أنهم لا يحملونه على قوله : شاهداك زوجاك ، لأنهم يجعلون الحاكم مزوجا لها دون الشاهد ، وقد كان شريح يقضي في أيام علي ، فإذا حكم لرجل بشاهدين ، قال له : يا هذا إن حكمي لا يبيح لك ما هو حرام عليك ، ولو خالفه علي فيه لأنكره عليه .

وأما الجواب عن قياسهم على شهادة الصدق ، فهو استحالة الجمع بينهما بالقبول : لقبول الصدق ورد الكذب . ونفوذ الحكم في الظاهر ، لاستوائهما في الجهل بالكذب ، ولو علم لما نفذ في الظاهر كما لم ينفذ في الباطن .

وأما الجواب عن قياسهم على اللعان ، فمن وجهين :

أحدهما : أن الحكم لم ينفذ بالكذب ، وإنما نفذ باللعان .

والثاني : أن اللعان استئناف فرقة ، والحكم بشهادة الزور إنما هو تنفيذ لفرقة سابقة ، فإذا لم تكن لم يصح تنفيذ معدوم .

وأما الجواب عما استدلوا به من حكم الحاكم من مسائل الاجتهاد ، فهو أن ليس في الباطن ما يخالف الظاهر ، فلذلك نفذ حكمه في الظاهر والباطن ، وخالف شهادة الزور التي تخالف الظاهر فيها الباطن ، فلذلك نفذ حكمه في الظاهر دون الباطن ، وسنشرح من فروع هذا الأصل ما يستقر به حكمه .

التالي السابق


الخدمات العلمية