الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فإذا استقر بقذفه وجوب الأحكام الثلاثة ، فإن من قذف لم يسقط عنه بالتوبة الجلد باتفاق ، وزال فسقه باتفاق ، واختلف في قبول شهادته بعد التوبة ، فذهب الشافعي في ذلك ، وفقهاء الحرمين إلى قبول شهادته قبل الجلد وبعده ، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبه قال الزهري والأوزاعي ، والشعبي ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال أبو حنيفة : لا أقبل شهادته بعد الجلد أبدا وبه قال شريح ، والحسن البصري ، والنخعي ، والثوري ، استدلالا بقول الله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وما أبد الله حكمه لم يزل .

وبرواية عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في قذف " .

قالوا : وهذا نص لا يرتفع بالتوبة ، ولأن ما تعلق بالقذف من حقوق الآدميين لم يسقط بالتوبة كالجلد والشهادة من حقوق الآدميين . والدليل على قبول شهادته بعد التوبة قول الله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا [ النور : 4 ] . إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [ ص: 26 ] [ النور : 5 ] . والاستدلال بها من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن الاستثناء بالتوبة ، يرفع حكم ما تقدم ، والاستثناء إذا انعطف على جملة عاد إلى جميعها ، ولم يختص ببعضها ، كقوله زينب طالق ، وسالم حر إن شاء الله ، يعود الاستثناء إليهما ، ولا يختص بأقربهما ، فلا تطلق زينب كما لم يعتق سالم .

والثاني : أن الجلد ورد الشهادة حكمان ، والفسق علة ، والاستثناء راجع إلى الحكم دون العلة .

كما لو قال : إن دخل زيد الدار وجلس ، فأعطه درهما ، لأنه صديق ، فدخل ولم يجلس ، فلم يستحق الدرهم ، وكان على الصداقة ، لأن الدرهم جزاء ، والصداقة علة .

والثالث : أن الفسق إخبار عن ماض ، ورد الشهادة حكم مستقبل والاستثناء يرجع إلى مستقبل الأحكام ، ولا يرجع إلى ماضي الأخبار . واعترضوا على الاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه لما لم يعد الاستثناء بالتوبة إلى الجلد منع من حمله على العموم ، ودل على اختصاصه بأقرب مذكور ، وهو الفسق دون رد الشهادة ، وإن كان من مذهبهم أن الاستثناء يختص بأقرب مذكور ، عنه جوابان :

أحدهما : أنه لم يعدل إلى الجلد لدليل خصه ، وهو أنه حق آدمي ، فبقي ما عداه على حكم أصله .

‌‌والثاني : أن الفسق علة في رد الشهادة ، وارتفاع العلة موجب لرفع حكمها ، وليس الفسق علة في وجوب الحد . فلذلك ارتفع رد الشهادة ، ولم يرتفع وجوب الحد .

والاعتراض الثاني : أن قالوا : فقوله إلا الذين تابوا عائد إلى ما بعده من الكلام لا إلى ما قبله ، لأنه قال : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم [ النور : 5 ] . أي : إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله يغفر لهم ، ويرحمهم فتعود التوبة إلى الغفران والرحمة ، ولا تعود إلى الفسق ورد الشهادة ، لئلا يصير ما بعده من الكلام منقطعا وعنه جوابان :

أحدهما : أن قوله : فإن الله غفور رحيم صفة لذاته لا تتعلق باستثناء ولا شرط .

[ ص: 27 ] والثاني : أنه لما كان قوله في آية الحرابة : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم [ المائدة : 34 ] . استثناء يعود إلى ما قبله ، وإن كان ما بعده منقطعا ، لأنه صفة ، كذلك صفة هذا في هذه الآية .

والاعتراض الثالث : أن قالوا : رد الشهادة حكم ، والفسق تسمية ، والخطاب إذا اشتمل على حكم وتسمية وتعقبها استثناء يعود إلى التسمية دون الحكم ، كقوله : أعط زيدا وعمرا الفاسق إلا أن يتوب يعني فإنه لا يكون فاسقا ، وعنه جوابان :

أحدهما : أن الفسق ورد الشهادة حكمان ، فلم يسلم لهم ما ادعوا .

والثاني : أنه لو جاز الفرق بينهما ، لكان عود الاستثناء بالتوبة إلى الحكم أولى من عوده إلى الاسم ، لأن التوبة تغير الأحكام ولا تغير الأسماء ، ثم تدل على المسألة بقول الله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات [ الشورى : 42 ] ، فأخبر أن التوبة توجب القبول والعفو ، وهم حملوها على القبول دون العفو ، ولذلك قال لهم الشعبي : يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته ؟

ثم يدل عليه من جهة السنة : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " التوبة تجب ما قبلها "

أي : تقطعه ، وترفعه ، فوجب حمله على العموم دون الخصوص .

ويدل عليه إجماع الصحابة ، وهو أن عمر بن الخطاب لما جلد أبا بكرة في شهادته على المغيرة بالزنى ، قال له : تب أقبل شهادتك ، فقال : لا أتوب ، وكان هذا القول منه بمشهد من الصحابة : لأنها قصة اجتمعوا لها ، فما أنكر قوله أحد منهم ، فدل على إجماعهم .

والدليل عليه من الاعتبار : أن الشهادة إذا ردت بفسق قبلت بزوال الفسق ؟ قياسا على جميع ما يفسق به .

ولأن من قبلت شهادته بالتوبة قبل الحد ، قبلت بالتوبة بعد الحد قياسا على سائر الحدود .

ولأنه محدود في قذف ، فوجب أن تقبل شهادته من بعد التوبة ، قياسا على الذمي إذا حد في قذف ثم أسلم .

ولأن فعل الزنى أغلظ من القذف بالزنى لتردد القذف بين الصدق والكذب ، فلما قبلت شهادته بالتوبة من أغلظ الإثمين قبل الحد وبعده كان قبوله بالتوبة من أخفهما قبل الحد وبعده أولى .

ولأنه لما عاد إلى العدالة في قبول روايته وجب أن يعود إليها في قبول شهادته ، [ ص: 28 ] وقد كان أبو بكرة على إصراره يستروى فيروي ويستشهد فلا يشهد .

فأما الجواب عن استدلالهم بأن الله عز وجل جعل رد الشهادة مؤبدا ، فهو مشروط الإطلاق بعدم التسوية ومستثنى التأييد بالتوبة .

وأما الجواب عن حديث عائشة رضي الله عنها ، فهو استعماله فيمن لم يتب أصلا .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الشهادة من حقوق الآدميين ، فهو أنها مشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين لقول الله تعالى : وأقيموا الشهادة لله [ الطلاق : 2 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية