الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وأما الأعذار فيستبيح بها الشاهد تأخير الشهادة ، سواء تعلقت بماله أو ببدنه ، ولا يستبيح بها تغير الشهادة سواء تعلقت بماله أو بدنه .

فأما الأعذار المتعلقة ببدنه فهي على ضربين :

أحدهما : لعجز داخل .

والثاني : لمشقة داخلة لاحقة .

فأما العجز فهو أن يكون مريضا يعجز عن الحركة ، فإن دعي إلى الحاكم كان معذورا في التأخر ، وإن أحضره الحاكم لم يعذر في التوقف عنها .

وأما المشقة فضربان : حظر ، وأذى .

فأما الحظر فهو أن يخاف من سلطان جائر ، أو من عدو قاهر أو من فتنة عامة ، فيسقط معه فرض الإجابة مع بقاء هذه الأعذار حتى تزول ، فتلزمه الإجابة .

وأما الأذى : فضربان :

أحدهما : ما يتوقع زواله .

وهو أن يدعى في حر شديد ، أو برد شديد ، أو مطر جود فما كان هذا الأذى باقيا ففرض الإجابة ساقط .

فإذا زال وجبت الإجابة .

[ ص: 56 ] وأما الدائم : فهو أن يدعى ، مع الصحة إلى المشي إليها ، لتحملها أو لأدائها ، فإن كان إلى موضع لا يخرج به عن بلده عذر بالتأخير سواء قربت المسافة أم بعدت ، وسواء كان ذا مركوب أو لم يكن ، لأن في مفارقة وطنه مشقة يسقط معها فرض الإجابة ، وإن كان الموضع في بلده ، فإن قربت أطراف بلده لصغره لزمته الإجابة ، وإن بعدت أقطاره لسعته اعتبر حاله ، فإن جرت عادته بالمشي في جميع أقطاره لزمته الإجابة ، وإن لم تجر عادته به لم يلزمه ، وإن قدر عليه ، لأن مفارقة العادة شاق إلا أن يكون ذا مركوب فلا مشقة عليه في الركوب ، فتلزمه الإجابة ، فإن حمل إليه ما يركبه وهو غير ذي مركوب اعتبر حاله ، فإن لم يتناكر الناس ركوب مثله لزمته الإجابة ، وإن تناكروها لم يلزمه ، لأن ما ينكره الناس مستقبح وأما الأعذار المتعلقة بماله فضربان :

أحدهما : ما خاف به ضياع مال .

والثاني : ما تعطل به عن اكتساب .

فأما ما خاف به ضياع ماله فهو أن يكون مقيما على حفظه وليس له نائب يقوم مقامه فيه ، فيسقط عنه فرض الإجابة ما كان على حاله .

فإذا زال عنها وجب فرضها ، فإن ضمن له الداعي حفظ ماله لم يلزمه الإجابة لأنه لا يلتزم ائتمان الناس على ماله .

وأما ما تعطل به عن اكتسابه ، فهو أن يكون من أهل المعائش المكتسبين ، فإن دعي في وقت اكتسابه لم تلزمه الإجابة ، وإن دعي في غيره لزمته ، فلو بذل له الداعي قدر كسبه لم يلزمه قبوله ، ولو طلب قدر كسبه نظر ، فإن كان أكثر من أجرة مثله لم يجز ، وإن كان قدر أجرة مثله ، فقد اختلف أصحابنا في جوازه على ثلاثة أوجه : أحدهما : يجوز له أخذها ، كما يجوز للكاتب أخذ الأجرة على كتابته .

والوجه الثاني : لا يجوز له أخذها ، كما لا يجوز للحاكم أن يأخذ من الخصوم أجرة على حكمه .

والوجه الثالث : له أن يأخذها على التحمل ، وليس له أن يأخذها على الأداء ، لأنه في الأداء متهوم ، وفي التحمل غير متهوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية