الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فإذا ثبت جواز التغليظ في الأيمان بالمكان والزمان فهو مشروع ، وليس بمستبدع ، وهو عند أبي حنيفة مستبدع غير مشروع ، وعليه وقع الخلاف .

والكلام في التغليظ يشتمل على فصلين :

أحدهما : جنس ما تغلظ فيه الأيمان من الحقوق .

والثاني : صفة التغليظ بمكانه وزمانه .

فأما الفصل الأول : فيما تغلظ فيه الأيمان من الحقوق ، ففيه للفقهاء ثلاثة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب طائفة من حكام الحجاز ، وابن جرير الطبري من أهل العراق :

أنها تغلظ في كل قليل وكثير ، لأنه صفة لليمين ، كالبينة التي يستوي حكمها في كل قليل وكثير .

والثاني : وهو مذهب مالك أنها تغلظ فيما يقطع فيه اليد ، ولا تغلظ فيما لا يقطع فيه ، لقول عائشة رضي الله عنها : " لم تكن اليد لتقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه " . تدل على أن ما تقطع فيه ليس بتافه ، فكان كثيرا .

والثالث : وهو مذهب الشافعي ، أن ما خرج عن الأموال ، ولم يثبت إلا بشاهدين كالحدود والقصاص ، والنكاح ، والطلاق ، فالأيمان فيه مغلظة ، فيما قل منه أو كثر ، وما ثبت بالشاهد والمرأتين من الأموال ، فتغلظ الأيمان في كثيره دون قليله ، وكثيره عشرون دينارا : لحديث عبد الرحمن بن عوف ، حين مر بقوم يحلفون بين البيت والمقام ، فقال : أعلى دم ؟ قالوا : لا . قال : أفعلى عظيم من المال ؟ قالوا : لا . قال : لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام . فعقل السامعون لقوله من أهل العلم ، أنه أراد بالعظيم من المال عشرين مثقالا ، فصار هذا المقدار أصلا في تغليظ الأيمان .

فإن قيل : فإذا جعلتم هذا قدرا في التغليظ ، فهلا جعلتموه قدرا في الإقرار إذا أقر بمال عظيم أن لا يقبل منه أقل من عشرين دينارا ، وأنتم تقبلون منه ما قل وكثر ؟ قيل : لأنه في الإقرار متردد الاحتمال بين إرادة القدر ، وإرادة الصفة ، وفي التغليظ لا يحتمل إلا إرادة القدر ، فلذلك جعلناه قدرا في التغليظ ، لأنه لا يحتمل غيره .

وإذا كان هكذا ، فقد اختلف أصحابنا في تقديره بالعشرين على وجهين :

أحدهما : لأنها نصاب في الزكاة ، ليكون المقدار معتبرا بأصل مشروع ، فعلى [ ص: 111 ] هذا إن وجبت اليمين في الدراهم غلظت في مائتي درهم فصاعدا .

وإن وجبت في الغنم غلظت في أربعين شاة فصاعدا .

وإن وجبت في البقر غلظت في ثلاثين بقرة فصاعدا .

وإن وجبت في الإبل غلظت في خمس من الإبل فصاعدا .

وإن وجبت في الحبوب والثمار غلظت في خمسة أوسق فصاعدا .

سواء بلغ قيمة ذلك عشرين دينارا أو لم يبلغ ، وإن وجبت في أقل من هذه النصب المزكاة لم يغلظ ، سواء بلغ قيمة ذلك عشرين دينارا أو لم تبلغ .

والوجه الثاني : أنه قدر بالعشرين : لأنه أصل عن توقيف ، أو اجتهاد لا يعتبر بغيره ، فعلى هذا لا تغلظ في الدراهم والثمار والمواشي إلا أن تبلغ قيمتها عشرين دينارا ، فتغلظ ، وإن لم تبلغ نصابا ، وإن نقصت قيمتها عن العشرين ، لم تغلظ ، وإن بلغت نصابا . فأما الأموال التي لا زكاة في جنسها ، فيصير في تغليظ اليمين فيها أن تبلغ قيمتها عشرين دينارا من غالب دنانير البلد الخالصة من الغش .

التالي السابق


الخدمات العلمية