الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فإذا تقرر ما ذكرناه في أيمان النفي والإثبات ، فصورة مسألتنا في رجل ادعى على رجل ألفا ، فذكر المدعى عليه أنه قد برئ منها ، فصار مقرا بها ، ومدعيا لسقوطها عنه بعد وجوبها عليه ، وصار المدعي مدعى عليه قد استحق الألف بالإقرار ، ووجبت عليه يمين النفي في الإنكار . وهي معتبرة بدعوى البراءة ، ودعواها على ضربين :

أحدهما : أن يطلقها .

والثاني : أن يعينها .

فإن أطلقها وقال : قد برئت إليه منها ، فقد عم ، ولم يخص ، فيكون يمين المنكر لها على العموم على ما وصفها الشافعي في اشتمال يمينه على جميع أنواع البراءات ، فيقول : والله ما قبضتها ، ولا شيئا منها ، ولا قبضها له قابض بأمره ، ولا شيئا منها ، وعبر الشافعي عن القبض بالاقتضاء ، وعن الأمر بالعلم ، وذكر القبض أولى من الاقتضاء لأن الاقتضاء المطالبة والقبض الاستيفاء ، وهو لا يبرأ بالاقتضاء ، ويبرأ بالاستيفاء .

[ ص: 126 ] وذكر الأمر أولى من العلم ، لأنه قد يعلم أنه قبضها من لم يأمره ، فلا يبرأ به .

ثم يقول : ولا أحال بها عليه ولا بشيء منها ، ولا أبرأه منها ، ولا على شيء منها . وزاد الشافعي في " الأم " : " ولا كان منه ما يبرأ به منها ، ولا من شيء منها " يعني : من جناية عليه أو إتلاف لماله بقدر دينه ، ويقول : وإنها لثابتة عليه إلى وقت يمينه هذه .

فهذه ستة أشياء ذكرها الشافعي في اشتمال يمينه عليها ، اختص الشافعي بذكرها وإن لم يذكرها أكثر الفقهاء ، فلم يختلف أصحابه أن السادس منها ، وهو قوله : " وإنها لثابتة عليه إلى وقت يمينه " أنه استظهار ، وليس بواجب .

واختلفوا في الخمسة الباقية على وجهين :

أحدهما : وهو قول الأكثرين أنها واجبة لتشتمل على أنواع البراءات ، فينتهي بها احتمال التأويل .

والوجه الثاني : أن هذا التفصيل استظهار ، ولو اقتصر في يمينه على أن قال : ما برئ إلي منها ، ولا من شيء منها ، لعم في الحكم جميع أنواعها من قبض وحوالة وإبراء ، وما يوجب الإبراء .

التالي السابق


الخدمات العلمية