الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : ويدل عليه الاعتبار بالمعاني المعقولة من وجهين :

أحدهما : امتناع الحكم بالنكول .

والثاني : جواز رد اليمين .

فأما امتناع الحكم بالنكول فدليله من وجوه منها : أن إثبات الحق لا يكون بنفيه ، لأنه ضد موجبه ، ومن الممتنع أن وجود الضد ناف لحكمه ، ومثبت لحكم ضده ، كالإقرار لا يوجب إنكارا كذلك الإنكار لا يوجب إقرارا ، ويجري هذا الاستدلال قياسا ، وإن كان الاستدلال أصح أنه إنكار ، فلم يثبت به حكم الإقرار ، كالتكذيب لا يثبت به حق التصديق .

ومنها أنه نكول عن يمين ، فلم يجب بها قبول الحق كالحد والقصاص .

فإن قيل : النكول حجة ضعيفة ، فجاز أن يثبت بها أخف الحقوق دون أغلظها كالشاهد والمرأتين يثبت بها الأموال ، ولا يثبت بها الحدود والقصاص .

قيل : إنما ضعف الشاهد والمرأتان لنقص النساء عن كمال الرجال ، والناكل عن [ ص: 143 ] اليمين كامل ، وجب أن يجري على نكوله حكم الكمال ، ولم يقع به الفرق بين نكول الرجال ، والنساء ، فبطل به هذا التعليل .

فإن قيل : النكول عن اليمين يجري مجرى ترك الحق ، وبذل الأموال يصح ، فيثبت بالنكول ، وبذل الحدود والنفوس لا يصح ، فلم يثبت بالنكول .

قيل : النكول ترك للحجة ، وليس ببذل للحق ، ولو كان بذلا لثبت حكمه بالنكول الأول كسائر البذول ، وهم لا يثبتونه إلا بعد نكوله ثلاثا ، فخرج عن صفة البذل ، فزال عنه حكم البذل ، ويتحرر من هذا المعنى قياسان :

أحدهما : أنه نكول لا يقضى به في القصاص ، فلم يقض به في الأموال كالنكول الأول .

والقياس الثاني : أنه حق لا يثبت بالنكول الأول ، فلم يثبت بالنكول الثالث كالقصاص .

ومنها : أن المدعى عليه لو سكت عن جواب الدعوى ، فلم يقر ، ولم ينكر لم يقض عليه بالنكول عند أبي حنيفة ، فكان إذا أنكر ونكل أولى أن يقضى عليه بالنكول لأمرين :

أحدهما : أن السكوت يحتمل الإقرار ، والإنكار لا يحتمل الإقرار .

والثاني : أن في سكوته امتناعا من أمرين : الجواب واليمين وفي نكوله امتناع من اليمين دون الجواب ، فكان امتناعه من أحدهما أخف حكما من امتناعه منهما ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان :

أحدهما : أنه امتناع من لفظ وجب بالدعوى ، فلم يوجب الحكم بالدعوى كالثالث . والثاني : أنه أحد لفظي ما وجب بالدعوى ، فلم يكن السكوت عنه موجبا للحكم بالدعوى كالجواب .

ومنها : أن يمين المنكر يقطع الخصومة ، ولا يسقط الحق ، لأن البينة لو قامت به بعد اليمين وجب ، فاقتضى ذلك أن يثبت بالنكول عنها ما كان منقطعا ، وهو بقاء الخصومة لا ثبوت الحق كما أن البينة لما كانت موجبة لثبوت الحق كان العدل عنها مانعا من سقوطه بها .

[ ص: 144 ] وتحريره قياسا هو أن ما يثبت بحجة وقف بعدمها كالبينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية