الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : وأما المروءة فقد ذكرنا ما يعتبر فيها من المروءة في العدالة وما لا يعتبر . وليس لما لا يعتبر منها تأثير .

وأما المعتبر منها ، فهو ظاهر في أفعال العدل . فإن عرفه الحاكم عمل فيها بمعرفته . وإن خفيت عليه سأل عنها . وهل تثبت عنده بخبر أو شهادة ؟ على وجهين :

أحدهما : لا تثبت عنده . إلا بشهادة ، كالعدالة في الدين ، ولا تثبت إلا بشاهدي عدل قد جرباه على قديم الوقت وحديثه .

والوجه الثاني : أنها خبر تثبت بقول من يوثق به وإن كان واحدا ، لأن العدالة في الدين باعثة عليها . فقوي الخبر بها فأقنع .

[ ص: 157 ] وأما كونه من أهل العدالة في الدين فتكون بأربعة أشياء :

ببلوغه ، وعقله ، وإسلامه ، وحريته .

فأما البلوغ ، فإن لم يشتبه حاله فيه لكونه رجلا مشتدا فهو مقطوع به ، وإن اشتبهت حاله فيه ، لكونه رجلا أمرد ، فحكم بحكم الحاكم ببلوغه يكون من أحد أربعة أوجه :

أحدها : أن يظهر عليه شواهد البلوغ بالإثبات ، إذا جعل الإثبات في المسلم بلوغا .

والثاني : أن يعرف الحاكم سنه فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ .

والثالث : أن يشهد ببلوغه شاهدا عدل فيحكم ببلوغه إذا استكمل سن البلوغ فتكون شهادة لا خبرا .

والرابع : أن يقول الغلام : قد بلغت فيحكم ببلوغه فتكون شهادة بقوله ، لأنه قد يبلغ بالاحتلام الذي لا يعلم إلا من جهته ، لأنه قد تتغلظ أحكامه بتوجه التكليف إليه فكان غير متهم فيه .

وأما العقل فيعلم مشاهدة بظهور نتائجه ، ولا يحتاج إلى بينة إن خفي لإمكان اختباره مع الاشتباه .

حكي أن امرأة حضرت عند شريح في محاكمة ، فقيل له : إنها مجنونة . فقال لها مختبرا : أي رجليك أطول ؟

فمدتهما لتقدرهما ، فصرفها وحكم بعقلها .

التالي السابق


الخدمات العلمية