الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
القول في شهادة العدو والخصم .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا على خصم لأن الخصومة موضع عداوة .

قال الماوردي : وأما شهادة العدو على عدوه فمردودة لا تقبل ، وأجازها أبو حنيفة ، احتجاجا بقوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم [ البقرة : 282 ] . فكان على عمومه ، ولأن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور .

ولأن العداوة إن كانت في الدين لم تمنع من قبول الشهادة ، كما تقبل شهادة المسلم على الكافر مع ظهور العداوة ، وإن كانت في الدنيا فهي أسهل من عداوة الدين فكانت أولى أن تقبل .

ودليلنا : قوله تعالى : ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا .

والعداوة من أقوى الريب .

وروى أبو داود في سننه ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه " . والغمر : العداوة ، وهذا نص .

ولأنها شهادة تقترن بتهمة ، فلم تقبل كشهادة الوالد للولد .

[ ص: 162 ] وأما الجواب عن عموم الآية فمن وجهين :

أحدهما : تخصيصها بأدلتنا .

والثاني : حملها على التحمل دون الأداء .

فأما الجواب عن قولهم أن الدين والعدالة يمنعان من الشهادة بالزور ، وهو أن هذا المعنى لما لم يبعث على قبول شهادة الوالد للولد ، لم يوجب قبول شهادة العدو على عدوه .

وأما الجواب عن قولهم : إن العداوة في الدنيا أسهل : فهو أن العداوة في الدين تبعث على العمل بموجبه فزالت التهمة فيه . والعداوة في الدنيا أغلظ للعدول بها عن أحكام الدين .

وإذا كان ذلك لم تقبل شهادة المقذوف على القاذف ، ولا المغصوب منه على الغاصب ، ولا المسروق منه على السارق ، وولي المقتول على القاتل ، والزوج على امرأته إذا زنت في فراشه ، إلى نظائر هذا .

وإذا منعت العداوة من الشهادة على العدو ، لم تمنع من الشهادة له ، لأنه متهوم في الشهادة عليه وغير متهوم في الشهادة له . لأن ما بعث على العداوة لا يكون جرحا تسقط به الشهادة .

التالي السابق


الخدمات العلمية