الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
القول في شهادة جاحد فروع الدين :

فصل : وأما الفروع : فأصولها كالأصول ، فما علم قطعا من دين الرسول صلى الله عليه وسلم بإجماع الخاصة والعامة عليه ، كوجوب الصلاة وأعدادها ، واستقبال الكعبة بها ، ووجوب الزكاة بعد حولها ، وفرض الصيام والحج وزمانهما ، وتحريم الزنى والربا والقتل والسرقة .

فإن جحد وجوب أحدها ، أو اعتقد في الصلاة نقصانا منها ، أو زيادة عليها ، أو غير الصيام والحج عن زمانهما من تقديم أو تأخير ، أو زاد في القرآن أو نقص منه بعد انعقاد الإجماع عليه ، فهو كافر . لأنه جحد بهذا الخلاف ما هو مقطوع به من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ، فصار كالجاحد لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا تثبت له عدالة ولا تصح له ولاية ، ولا تقبل له شهادة .

[ ص: 171 ] فصل : وأما الفروع التي ليست بأصول ، فالخلاف فيها على ضربين :

أحدهما : في الأداء .

والثاني : في الأحكام .

فأما الخلاف في الأداء المنتحلة ، فهو على ثلاثة أضرب :

أحدها : ما اعتقد به تكفير مخالفه واستباحة ماله ودمه ، كمن يرى من الخوارج بموالاتهم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما تكفير جميع الأمة ، وكالغلاة يرون بمعتقدهم في علي بن أبي طالب عليه السلام ، تكفير جميع الأمة .

يرى الفريقان : بهذا المعتقد أن دار الإسلام دار إباحة في قتل رجالها وسبي ذراريها ، وغنيمة أموالها ، فيحكم بكفر من هذا اعتقاده من الفريقين لأمرين :

أحدهما : لتكفيرهم السواد الأعظم المفضي إلى تعطيل الإسلام ودروسه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، منها واحدة ناجية ، قيل : وما هي ؟ قال : السواد الأعظم " .

والثاني : استباحتهم لدار حرم الشرع نفوس أهلها وأموالهم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " منعت دار الإسلام وما فيها وأباحت دار الشرك وما فيها " .

وقال يوم النحر كلاما شهده الجم الغفير : " ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في سفركم هذا في بلدكم هذا " .

فكانوا أبعد الناس من العدالة وأولاهم برد الشهادة .

التالي السابق


الخدمات العلمية