الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
القول في قراءة القرآن بالألحان :

فصل : فأما القراءة بالألحان الموضوعة للأغاني ، فقد اختلف الناس فيها ، فرخصها قوم وأباحوها ، لرواية أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ليس منا من لم يتغن بالقرآن " .

[ ص: 198 ] وشددها آخرون وحظروها ، لخروجها عن الزجر والعظة إلى اللهو والطرب .

ولأنها خارجة عن عرف الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم ، إلى ما استحدث من بعده .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

وأما الشافعي ، فإنه عدل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان ، فإذا أخرجت ألفاظ القرآن عن صيغته ، بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه ، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن ، أو مد مقصور ، أو قصر ممدود ، أو مطط حتى خفي اللفظ ، والتبس المعنى ، فهذا محظور ، يفسق به القارئ ، ويأثم به المستمع ، لأنه قد عدل به عن نهجه إلى اعوجاجه ، والله تعالى يقول : قرءانا عربيا غير ذي عوج [ الزمر : 28 ] .

وإن لم يخرجه اللحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحا ، لأنه قد زاد بألحانه في تحسينه وميل النفس إلى سماعه .

أما قوله : ليس منا من لم يتغن بالقرآن " ففيه تأويلان :

أحدهما : معناه من لم يستغن بالقرآن ، وهذا قول الأصمعي ، ومال إليه الشافعي .

وحكى زهير بن أبي هند ، عن إياس بن معاوية المزني ، أنه نظر إلى رجل يتغنى بالقرآن ، فقال : يا هذا إن كنت لا بد متغنيا فبالشعر ، فقال الرجل : أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ليس منا من لم يتغن بالقرآن ، فقال له إياس : إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لم يستغن بالقرآن ، ألم تسمع حديثه الآخر " من حفظ القرآن فظن أن أحدا أغنى منه . أما سمعت قول الشاعر :


غنينا بذكر الله عما نراه في يد المتمولينا

والتأويل الثاني : أنه محمول على غناء الصوت في تحسينه وتحزينه دون ألحانه .

وهذا قول أبي عبيد ، وأنكر على من حمله على الاستغناء ، وقال : لو أراد هذا لقال : " من لم يتغان بالقرآن " .

التالي السابق


الخدمات العلمية