الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
[ القول في شهادة الزنا ] .

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ويجوز شهادة ولد الزنا في الزنا " .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، لأن الأنساب ليست من شروط العدالة ، فتقبل شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا في الزنى وغير الزنى .

وقال مالك رضي الله عنه : لا أقبل شهادته في الزنى وأقبلها في غير الزنى ، وقال غيره من فقهاء المدينة : لا أقبل شهادته بحال .

استدلالا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ولد الزنى شر الثلاثة " .

وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة ولد زنية " .

وإذا كان شرا من الزاني ومدفوعا من الجنة ، كان من أهل الكبائر ، فلم تقبل شهادته .

وهذا قول فاسد ، لأن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره وهو تعالى يقول :

ولا تزر وازرة وزر أخرى [ الأنعام : 164 ] . فلم يجز أن يؤاخذ ولد الزاني بذنب أبويه ، لأنه ظلم ، والله تعالى منزه عن الظلم ، وهو تعالى يقول : ولا يظلم ربك أحدا [ الكهف : 49 ] . ولأن عار النسب ربما منعه من ارتكاب العار ، لئلا يصير جامعا بين عارين ، فصار مزجورا بمعرة نسبه عن معرة كذبه ، فلم يمنع من قبول الشهادة مع ظهور عدالته .

[ ص: 211 ] وأما الخبر الأول وهو " ولد الزنا شر الثلاثة " فهو من مناكير الأخبار ، وما رواه إلا مضعوف ، غير مقبول الحديث ، ونص القرآن يمنع منه ، ولو سلمت الرواية لكان لاستعماله وجوها :

أحدها : أنه شر الثلاثة نسبا .

والثاني : شر الثلاثة إذا كان زانيا .

والثالث : أنه كان واحدا من ثلاثة ، فأشير إليه أنه شرهم ، فكان ذلك للزنى تعريفا لا تعليلا .

والرابع : ما ذكر أن أبا عزة الجمحي كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدح فيه بالعظائم ، فذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوله ، وقيل له : إنه ولد زنية ، فقال عليه السلام : " ولد الزنى شر الثلاثة " يعني به أبا عزة .

وأما الخبر الثاني : فهو أوهى من الأول ، وأضعف وأبعد أن يكون له في الاحتمال وجه ، لأنه لا يجوز أن يحبط طاعته معصية غيره ، والكفر أعظم من الزنى ، ولا يحبط عمل المؤمن بكفر أبويه ، فكان أولى أن لا يحبط عمله بزنى والديه والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية