الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : فأما المزني فإنه تكلم على فصلين :

أحدهما : إيجاب الثمنين فإن أراد به مع اختلاف الوقتين ، فهو صحيح مسلم ، وإن أراد به مع اجتماع العقدين في وقت واحد فهو باطل مردود لامتناعه .

وإن أراد به مع الإطلاق ، فهو أصح الوجهين ، وإن تورع فيه .

[ ص: 363 ] وأما الفصل الثاني : فهو أنه جعل الشهادة عليه بمشاهدة العقدين ، كالشهادة على إقراره بالعقدين ، ولو قامت البينتان على إقراره بالعقدين ، لزمه الثمنان ، سواء أقر بهما في وقت ، أو وقتين ، كذلك الشهادة عليه بمشاهدة العقدين تقتضي أن تكون موجبة لالتزام الثمنين ، سواء كانتا في وقت ، أو وقتين ، وهذا الجمع بينهما في الوقت الواحد فاسد ، لأنه يصح أن يقر في الوقت الواحد بعقدين ، ولا يصح أن يباشر في الوقت الواحد فعل عقدين ، فصح الإقرار بهما في الوقت الواحد ، لإمكانه ، وبطل العقد عليه في الوقت الواحد ، لامتناعه ، وقد يجوز أن يكون في الإقرار تعارض في موضع ، وهو أن تتفق الشهادتان على أنه أقر مرة واحدة لواحد ، ثم اختلفا فيمن أقر له ، فشهدت إحداهما أن إقراره كان لزيد ، وشهدت الأخرى أن إقراره كان لعمرو ، فتتعارض الشهادتان في الإقرار ، كما تعارضت في العقد ، فيحمل تعارضهما على الأقاويل الثلاثة في الموضعين .

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ولو أقام رجل بينة أنه اشترى منه هذا العبد الذي في يديه بألف درهم ، وأقام العبد البينة أنه سيده الذي هو في يديه أعتقه ولم يوقت الشهود ، فإني أبطل البينتين لأنهما تضادتا وأحلفه ما باعه وأحلفه ما أعتقه ( قال المزني : ) قد أبطل البينتين فيما يمكن أن يكونا فيه صادقتين ، فالقياس عندي أن العبد في يدي نفسه بالحرية كمشتر قبض من البائع ، فهو أحق لقوة السبب ، كما إذا أقاما بينة والشيء في يدي أحدهما ، كان أولى به لقوة السبب ، وهذا أشبه بقوله " .

قال الماوردي : وصورتها في عبد في ملك سيده ، ادعاه رجل أنه ابتاعه بألف درهم دفعها إليه ، وأقام به بينة ، وادعى العبد أن سيده أعتقه في ملكه ، وأقام به بينة فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون في البينتين تاريخ يدل على تقدم إحداهما على الأخرى ، فيحكم بشهادة المتقدمة دون المتأخرة ، فإن تقدم البيع على العتق ، حكم به مبيعا وأبطل أن يكون معتقا ، لأنه أعتقه بعد زوال ملكه عنه بالبيع ، وإن تقدم العتق على البيع ، حكم بعتقه وبطل بيعه ، لأنه باعه بعد زوال ملكه عنه ، بالعتق ، وأخذ برد الثمن على مشتريه ، لقيام البينة بعتقه .

والضرب الثاني : أن لا يكون في البينتين بيان يدل على تقدم إحداهما على الأخرى ، إما لإطلاقهما ، وإما لتاريخ إحداهما ، وإطلاق الأخرى ، وإما لاجتماعهما في التاريخ على وقت واحد فتضاد اجتماعهما فيه ، فتصير البينتان في هذه الأحوال الثلاث متعارضتين وهي في اجتماع التاريخ متكاذبتين ، وفي إطلاقه غير متكاذبتين ، [ ص: 364 ] والحكم في تعارضهما ، سواء إذا لم يكن فيهما بيان ، وإذا كانت على هذا التعارض . فللعبد حالتان :

إحداهما : أن يكون في يد سيده .

والثانية : أن يكون في يد مدعي الشراء ، فإن كان في يد سيده فقد اختلف أصحابنا هل يكون تقديمه لإحدى البينتين مرجحا أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج ، تترجح البينة بتصديقه ، لأنه ذو يد مالكة ، فعلى هذا إن صدق بينة المشتري على ابتياعه ، حكم به مبيعا ، وسقطت بينة عتقه ، ولا يمين للعبد على سيده ، لأنه لو اعترف له بالعتق بعد بيعه ، لم يغرم ، فلم يلزمه أن يحلف وإن صدق بينة العبد على عتقه ، حكم بعتقه ، وسقطت بينة بيعه ، وهل لمشتريه أن يرجع بثمنه ببينته بعد ردها في بيعه ؟ على قولين :

أحدهما : يرجع بثمنه إذا قيل : إن ردها في البعض لا يوجب ردها في الكل ، فعلى هذا لا يمين للمشتري على البائع في إنكاره لبيعه ، لأنه لو اعترف بعد العتق لم يلزمه إلا رد الثمن ، وقد رد .

والقول الثاني : أنه لا يرجع بثمنه بالبينة إذا قيل : إن رد البينة في البعض ، موجب لردها في الكل ، فعلى هذا يستحق المشتري إحلاف البائع على إنكاره ، لأنه لو اعترف له بعد العتق ، لزمه رد الثمن لأن اليمين تستحق في الإنكار إذا وجب العوض بالإقرار ويسقط في الإنكار إن سقط الغرم بالإقرار .

والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن خيران ، وجمهور أصحابنا أنه لا تترجح واحدة من البينتين بتصديق البائع ، لأن كل واحدة منهما تشهد بزوال ملكه ، ورفع يده ، فعلى هذا يتحقق تعارض البينتين . وقال المزني : لا تعارض فيها ، ويحكم ببينة العتق ، لأن العبد في يد نفسه ، فصارت يمينه بينة داخل ، وبينة المشتري بينة خارج ؟ فقضى ببينة الداخل على بينة الخارج .

وهذا ليس بصحيح ، لأن العبد لا يصح أن تكون له يد على نفسه ، لأن اليد عليه ، فامتنع أن تكون اليد له ، ألا تراه لو ادعاه على سيده أنه أعتقه ، وأنكره السيد لم يقبل قوله على السيد ، ولو كان في يد نفسه ، قبل قوله عليه ، أو لا ترى لو تنازع ابتياعه رجلان ، فصدق أحدهما لم يؤثر تصديقه ولو كانت له يد على نفسه لكان تصديقه مؤثرا ، وأما الحر فقد اختلف أصحابنا ، هل تكون له على نفسه يد أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : تكون له يد على نفسه ، إذ ليس عليه يد لغيره .

أولا ترى أن من ادعى لقيطا عبدا ، فاعترف له بالرق ، كان عبدا له ولو أنكره [ ص: 365 ] كان حرا ، ولم يكن عبدا ، ولو لم يكن في يد نفسه لما أثر إقراره ، وإنكاره ، وهذا قول أبي إسحاق المروزي .

والوجه الثاني : وهو قول الأكثرين من أصحابنا . أنه لا يد للحر على نفسه ، لأن اليد تستقر على الأموال ولا حكم لها فيما ليس بمال ، فلم يكن له على نفسه يد ، كما لم تكن لغيره عليه يد ، وليس يقبل قول اللقيط ، لأن له يدا على نفسه ، ولكن لنفوذ إقراره على نفسه ، فلم يصح ما قالوه .

التالي السابق


الخدمات العلمية