صفحة جزء
[ ص: 7 ] الضرب الثالث : التخفيفات والمباحات . وما أبيح له - صلى الله عليه وسلم - دون غيره قسمان . أحدهما : متعلق بغير النكاح ، فمنه الوصال في الصوم ، واصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها ، ويقال لذلك المختار : الصفي والصفية ، والجمع : الصفايا . ومنه ، خمس خمس الفيء والغنيمة ، وأربعة أخماس الفيء ، ودخول مكة بغير إحرام ، نقله صاحب التلخيص وغيره . ومنه ، أنه لا يورث ماله . ثم حكى الإمام وجهين . أحدهما : أن ما تركه باق على ملكه ، ينفق منه على أهله كما كان ينفق في حياته . قال : وهذا هو الصحيح . والثاني : أن سبيل ما خلفه سبيل الصدقات ، وبهذا قطع أبو العباس الروياني في ( الجرجانيات ) . ثم حكى وجهين في أنه هل يصير وقفا على ورثته ؟ وأنه إذا صار وقفا ، هل هو للواقف لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ما تركنا صدقة ؟ وجهان .

قلت : كل هذا ضعيف ، والصواب الجزم بأنه زال ملكه - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ما تركه فهو صدقة على المسلمين لا يختص به الورثة . وكيف يصح غير ما ذكرته مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نورث ما تركناه فهو صدقة ) ؟ فهذا نص على زوال الملك . - والله أعلم - .

وهذه الخصلة ، عدها الغزالي من هذا الضرب ، وعدها الأكثرون من الضرب الرابع . ومنه ، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان له أن يقضي بعلمه ، وفي غيره خلاف . وأن يحكم لنفسه ولولده على المذهب ، وأن يشهد لنفسه ولولده ، وأن يقبل شهادة من يشهد له ، [ ص: 8 ] وأن يحمي الموات لنفسه ، وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج إليهما ، وعلى صاحبهما البذل ، ويفدي بمهجته مهجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال الله تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) .

[ الأحزاب : 6 ]

قلت : ومثله ما ذكره الفوراني وإبراهيم المروذي وغيرهما ، أنه لو قصده ظالم ، وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه - صلى الله عليه وسلم - . - والله أعلم - .

وكان لا ينتقض وضوؤه صلى الله عليه وسلم - بالنوم مضطجعا ، وحكى أبو العباس فيه وجها غريبا ضعيفا ، وحكى وجهين في انتقاض طهره باللمس .

قلت : المذهب الجزم بانتقاضه باللمس . - والله أعلم - .

وحكى أيضا صاحب ( التلخيص ) : أنه كان يحل له - صلى الله عليه وسلم - دخول المسجد جنبا ، ولم يسلمه القفال له ، بل قال : لا أظنه صحيحا .

قلت : هذا الذي قاله صاحب ( التلخيص ) ، قد يحتج له بما رواه الترمذي عن عطية عن أبي سعيد ( الخدري ) - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك . قال الترمذي : حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال الترمذي : قال ضرار بن صرد ، معناه : لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك ، وهذا التأويل الذي قاله ضرار غير مقبول ، وقال إمام الحرمين : هذا الذي قاله صاحب ( التلخيص ) هو لا يدري من أين قاله ، وإلى أي أصل أسنده . قال : فالوجه : القطع بتخطئته ، وهذا كلام من لم يعلم الحديث المذكور ، لكن قد يقدح قادح في الحديث بسبب عطية ، فإنه ضعيف عند جمهور المحدثين ، لكن قد حسنه الترمذي ، فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه [ ص: 9 ] كما نقرر لأهل هذا الفن ، فظهر ترجيح قول صاحب ( التلخيص ) . واعلم أن معظم هذه المباحات ، لم يفعلها - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت مباحة له .

القسم الثاني : المتعلق بالنكاح ، فمنه الزيادة على أربع نسوة . والأصح أنه لم يكن منحصرا في تسع ، وقطع بعضهم بهذا ، وينحصر طلاقه - صلى الله عليه وسلم - في الثلاث ، وينعقد نكاحه - بلفظ الهبة - صلى الله عليه وسلم - على الأصح فيهما . وإذا انعقد بلفظ الهبة ، لم يجب مهر بالعقد ولا بالدخول ، ويشترط لفظ النكاح من جهته - صلى الله عليه وسلم - على الأصح . قال الأصحاب : وينعقد نكاحه - صلى الله عليه وسلم - بمعنى الهبة ، حتى لا يجب المهر ابتداء ولا انتهاء ، وفي ( المجرد ) للحناطي وغيره وجه غريب : أنه يجب المهر . ومنه ، أنه - صلى الله عليه وسلم - لو رغب في نكاح امرأة ، فإن كانت خلية ، لزمها الإجابة على الصحيح ، ويحرم على غيره خطبتها . وإن كانت مزوجة ، وجب على زوجها طلاقها لينكحها على الصحيح . ومنه انعقاد نكاحه - صلى الله عليه وسلم - بغير ولي ولا شهود ، وفي حال [ ص: 10 ] الإحرام على الأصح في الجميع . وفي وجوب القسم بين زوجاته ، وجهان . قال الاصطخري : لا . والأصح عند الشيخ أبي حامد والعراقيين والبغوي : الوجوب ، وأكثر هذه المسائل وأخواتها ، تتخرج على أصل اختلف فيه الأصحاب ، وهو أن النكاح في حقه - صلى الله عليه وسلم - ، هل هو كالتسري في حقنا ؟ إن قلنا : نعم ، لم ينحصر عدد المنكوحات والطلاق ، وانعقد بالهبة ومعناها ، وبلا ولي وشهود ، وفي الإحرام ، ولم يجب القسم ، وإلا انعكس الحكم .

وكان له - صلى الله عليه وسلم - تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها ولا إذن وليها ، وتزوجها لنفسه ، وتولي الطرفين بغير إذنها و [ لا ] إذن وليها . قال الحناطي : ويحتمل أنه إنما كان يحل بإذنها ، وكان يحل له نكاح المعتدة على أحد الوجهين .

قلت : هذا الوجه حكاه البغوي ، وهو غلط لم يذكره جمهور الأصحاب ، وغلطوا من ذكره . بل الصواب القطع بامتناع نكاح المعتدة من غيره . - والله أعلم - .

وهل كان يلزمه نفقة زوجاته ؟ فيه وجهان بناء على المهر .

قلت : الصحيح الوجوب . - والله أعلم - .

وكانت المرأة تحل له - صلى الله عليه وسلم - بتزويج الله تعالى ، لقوله في قصة زينب امرأة زيد : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها )

[ الأحزاب : 37 ] وقيل : بل نكحها بنفسه . ومعنى الآية : أحللنا لك نكاحها . وهل كان يحل له الجمع بين امرأة وعمتها أو خالتها ؟ وجهان بناء على أن المخاطب هل يدخل في الخطاب ؟ ولم يكن يحل الجمع بينها وبين أختها وأمها وبنتها على المذهب . وحكى الحناطي فيه وجهين . وأعتق - صلى الله عليه وسلم - صفية وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها . فقيل : معناه : أعتقها وشرط أن ينكحها ، فلزمها [ ص: 11 ] الوفاء ، بخلاف غيره . وقيل : جعل نفس العتق صداقا ، وجاز ذلك ، بخلاف غيره .

قلت : وقيل : معناه : أعتقها بلا عوض ، وتزوجها بلا مهر لا في الحال ولا فيما بعد ، وهذا أصح . - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية