صفحة جزء
فصل

في صفة الكتابية التي ينكحها المسلم

وهي ضربان ، إسرائيلية ، وغيرها .

[ الضرب ] الأول : التي ليست من بني إسرائيل ، ولها أحوال .

أحدها : أن تكون من قوم يعلم دخولهم في ذلك الدين قبل تحريفه ونسخه ، فيحل نكاحها على الأظهر . وقيل : قطعا ، وهؤلاء يقرون بالجزية قطعا . وفي حل ذبائحهم الخلاف كالمناكحة .

[ الحال ] الثاني : أن يكون ممن يعلم دخولهم بعد التحريف وقبل النسخ . فإن تمسكوا بالحق منه ، وتجنبوا المحرف منه ، فكالحال الأول . وإن دخلوا في المحرف ، لم تحل مناكحتهم على المذهب ، ويقرون بالجزية على الأصح كالمجوس وأولى للشبهة .

( الحال ) الثالث : أن تكون ممن يعلم دخولهم بعد التحريف والنسخ ، فلا تحل مناكحتهم [ ص: 138 ] قطعا . فالذين تهودوا أو تنصروا بعد بعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لا يناكحون . وفي المتهودين بين نبينا وبين عيسى - عليهما السلام - وجهان . أصحهما : المنع ، ومن جوز كأنه يزعم أنا لا نعلم كيفية نسخ شريعة عيسى لشريعة موسى - صلى الله عليهما وسلم - ، وهل نسخت كلها أو بعضها ، وهؤلاء لا يقرون بالجزية .

الرابع : أن تكون من قوم لا يعلم متى دخلوا ، فلا تحل مناكحتهم ، ويقرون بالجزية ، وبذلك حكمت الصحابة - رضي الله عنهم - في نصارى العرب . هكذا أطلقه عامة الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين ، وفيه شيء لا بد من معرفته وسنذكره في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى .

الضرب الثاني : الكتابية الإسرائيلية . والذي ذكره الأصحاب في طرقهم ، جواز نكاحها على الإطلاق من غير نظر إلى آبائها أدخلوا في ذلك الدين قبل التحريف أم بعده ؟ وليس كذلك لأنه ليس كل إسرائيلية يلزم دخول آبائها قبل التحريف وإن أشعر به كلام جماعة من الأئمة ، وذلك أن إسرائيل هو يعقوب - صلى الله عليه وسلم - ، وبينه وبين نزول التوراة زمان طويل ، ولسنا نعلم أدخل كل بني إسرائيل على كثرتهم في زمان موسى - صلى الله عليه وسلم - أم بعده قبل التحريف ، بل في القصص ما يدل على استمرار بعضهم على عبادة الأوثان والأديان الفاسدة ، وبتقدير استمرار هذا في اليهود ، فلا يستمر في النصارى ، لأن بني إسرائيل بعد بعثة عيسى - صلى الله عليه وسلم - منهم من آمن به ، ومنهم من صد عنه فأصر على دين موسى . ثم من المصرين من تنصر على تعاقب الزمان قبل التحريف وبعده ، ولكن كأن الأصحاب اكتفوا بشرف النسب وجعلوه جابرا لنقص دخول الآباء في الدين بعد التحريف ، حتى فارق حكمهن حكم غير الإسرائيليات إذا دخل آباؤهن بعد التحريف .

وأما الدخول فيه بعد بعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، فلا تفارق فيه الإسرائيلية غيرها كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . [ ص: 139 ] وكلام الغزالي يقتضي النظر إلى حال الآباء في الإسرائيليات أيضا ، حتى يكون نكاح الإسرائيلية التي دخل أول آبائها في ذلك الدين بعد التحريف على قولين ، كغير الإسرائيلية التي دخل آباؤها فيه قبل التحريف ، لكن كلام الأصحاب يخالفه ، فاعرفه وانظر كيف يمكنك تنزيل كلامه على منقول الأصحاب .

فرع

الصابئون طائفة تعد من النصارى ، والسامرة طائفة تعد من اليهود . فإن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصل دينهم ولا يتأولون نص كتابهم ، لم يناكحوا كالمجوس . وإن خالفوهم في الفروع دون الأصول وتأولوا نصوص كتابهم ، جازت مناكحتهم . هذا هو المذهب ، وهو نصه في المختصر وقطع به الجمهور . قال الشيخ أبو علي : وأطلق بعض الأصحاب قولين في مناكحتهم . قال الإمام : لا مجال للخلاف فيمن تكفرهم اليهود والنصارى ، ويخرجونهم عنهم ، لكن يمكن الخلاف فيمن جعلوه كالمبتدع فينا .

وإذا شككنا في جماعة أيخالفونهم في الأصول أم الفروع ؟ لم نناكحهم . والصابئون - فيما نقل - فرقتان ، فرقة توافق النصارى في أصول الدين ، وفرقة تخالفهم ، وهم الذين أفتى الإصطخري بقتلهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية