صفحة جزء
فصل

في مسائل منثورة تتعلق بكتاب السير

إذا أسلم كافر وقد لزمه كفارة يمين أو ظهار أو قتل ، ففي سقوطها عنه وجهان ، نقلهما الشيخ أبو علي ، أصحهما : المنع ، كالدين ، والثاني : نعم ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، قال الإمام : هذا ضعيف هادم للقواعد .

قلت : ولو وجب على ذمي حد زنى فأسلم ، نقل ابن المنذر في " الإشراف " عن نص الشافعي رحمه الله أنه يسقط عنه الحد ، وحكاه عن مالك أيضا ، ورواية عن أبي حنيفة ، وقال أبو ثور : لا يسقط ، والله أعلم .

ولو استولى الكفار على أموال المسلمين ، لم يملكوها سواء [ ص: 294 ] أحرزوها بدار الحرب أم لا ، وسواء العقار وغيره ، وإذا أسلموا والمال في أيديهم ، لزمهم رده إلى أصحابه ، وإن غنمه طائفة من المسلمين ، لزمهم رده إلى صاحبه ، فإن ظهر الحال بعد القسمة ، رده من وقع في سهمه ، ويعوضه الإمام من بيت المال ، فإن لم يكن في بيت المال شيء ، أعاد القسمة ، ونص أنه لو أحرز مشرك جارية مسلم وأولدها ، ثم ظفر المسلمون بهم ، فالجارية والولد للمسلم ، فإن أسلم الواطئ ، أخذ مالكها منه المهر وقيمة الولد ، قال ابن سريج : هذا محمول على ما إذا وطئ وأولد بعد إسلامه ، فيلزمه المهر ، والولد حر للشبهة ، ولو أسرت مسلمة ، فنكحها حربي ، أو أصابها بلا نكاح ، فأولدها ، ثم ظفرنا بهم ، لم يسترق أولادها ، لأنهم مسلمون بإسلامها ، ويلحقون الناكح للشبهة ، ونص أن جارية المسلم لو استولى عليها كفار ، ثم عادت إلى مالكها ، فلا استبراء عليه ، لأن ملكه لم يزل ، لكن يستحب ، ولو أسرنا قوما ، فقالوا : نحن مسلمون أو أهل ذمة ، صدقوا بأيمانهم إن وجدوا في دار الإسلام ، وإن وجدوا في دار الحرب ، لم يصدقوا ، ولو دخل حربي دارنا بأمان ، فاشترى عبدا مسلما ، وخرج به إلى دار الحرب ، فظفر به المسلمون ، فإن قلنا : يصح الشراء ، فهو غنيمة ، وإلا فهو لبائعه ، ويلزمه رد الثمن على المستأمن .

فرع

نص في حرملة ، أنه لو أهدى مشرك إلى الأمير ، أو إلى الإمام هدية والحرب قائمة ، فهي غنيمة بخلاف ما لو أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام ، فإنه للمهدى إليه .

فرع

فداء الأمير الأسير مستحب ، فلو قال مسلم لكافر : أطلق أسيرك [ ص: 295 ] ولك علي ألف ، فأطلقه ، لزمه الألف ، ومتى فدى أسيرا بمال بغير سؤال الأسير ، لم يرجع عليه به ، ولو قال الأسير : افدني بكذا على أن ترجع علي ، ففعل ، رجع عليه ، وكذا لو لم يشرط الرجوع على الأصح ، ولو قال الأسير للكافر : أطلقني على كذا ، ففعل ، أو قال له كافر : افتد نفسك بكذا ، ففعل ، لزمه ما التزم ، والمال الذي فدى الأسير به إذا استولى عليه المسلمون ، هل يكون غنيمة أم يرد إلى الفادي ؟ وجهان : قلت : قد سبق عن صاحب البيان أن مقتضى المذهب أنه يرد وهو أصح ، والله أعلم .

فرع

دخل مسلم دار الحرب ، فوجد مسلمة أسروها ، لزمه إخراجها إن أمكنه .

فرع

سبق أنه إذا اقتصر في الأمان على قوله : أمنتك ، هل يتعدى إلى ما معه من أهل ومال ؟ وجهان ، وإن تعرض له ، تعدى قطعا ، وفي " البحر " تفصيل حسن ، حكاه أو بعضه عن الحاوي وهو أنه إن أطلق الأمان ، دخل فيه ما يلبسه من ثياب ، وما يستعمله في حرفته من آلات ، وما ينفقه في مدة الأمان للعرف الجاري بذلك ، ومركوبه إن كان لا يستغني عنه ، ولا يدخل غير ذلك ، وإن بذل له الأمان على نفسه وماله ، فالمال أيضا في أمان إن كان حاضرا ، سواء أمنه الإمام أو غيره ، وإن كان غائبا ، لم يصح الأمان فيه إلا من الإمام أو نائبه بالولاية العامة ، وكذلك الذراري يفرق فيهم بين الحاضرين والغائبين ، قال : ولو قال : أمنتك في جميع بلاد الإسلام ، كان آمنا في جميعها ، سواء أمنه الإمام [ ص: 296 ] أو غيره ، وإن قال : أمنتك في بلد كذا ، كان آمنا فيه ، وفي الطريق إليه من دار الحرب لا غير ، وإن أطلق ، نظر إن أمنه الإمام ، كان آمنا في جميع بلاد الإسلام ، وإن أمنه والي الإقليم ، كان آمنا في محل ولايته ، وإن أمنه أحد الرعية ، اختص الأمان بالموضع الذي يسكنه المؤمن ، بلدة كانت أو قرية ، وبالطريق إليه من دار الحرب ، وإنما يكون آمنا في الطريق إذا اجتاز بقدر الحاجة ، قال : وإذا كان الأمان مقدرا بمدة ، فإن كان مخصوصا ببلد ، فله استيفاء المدة بالإقامة فيه ، وله الأمان بعدها إلى أن يرجع إلى مأمنه ، وإن كان عاما في جميع البلاد ، انقضى أمانه بمضي تلك المدة ، ولا أمان له بعدها للعود ، لأن ما يتصل من بلاد الإسلام بدار الحرب من محل أمانه ، فلا يحتاج إلى مدة الانتقال من موضع الأمان ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية