صفحة جزء
الثامنة : في ضبط ما يحلف به ، وفيه طريقان ، إحداهما وهي أقصرهما : أن اليمين ينعقد إذا حلف بما مفهومه ذات الباري سبحانه وتعالى ، أو صفة من صفاته ، والثانية وهي أقرب إلى سياق " المختصر " : أنها لا تنعقد إلا إذا حلف بالله ، أو باسم من أسمائه ، أو صفة من صفاته ، وأراد بالقسم الأول أن يذكر ما يفهم منه ذات الله تعالى ولا يحتمل غيره من غير أن يأتي باسم مفرد ، أو مضاف من أسمائه الحسنى ، وذلك كقوله : والذي أعبده ، أو أسجد له ، أو أصلي له ، والذي فلق الحبة ، أو نفسي بيده ، أو مقلب القلوب فتنعقد يمينه ، سواء أطلق أو نوى الله سبحانه وتعالى أو غيره ، وإذا قال قصدت غيره ، لم يقبل ظاهرا قطعا ، وكذا لا يقبل أيضا فيما بينه وبين الله على الصحيح المعروف في المذهب ، وحكي فيه وجه ضعيف . وأما القسم الثاني وهو الحلف بالأسماء ، فالأسماء ثلاثة أنواع : أحدها : ما يختص بالله تعالى ولا يطلق في حق غيره ، كالله والإله ، والرحمن ورب العالمين ، ومالك يوم الدين ، وخالق الخلق ، والحي الذي لا يموت ، والأول الذي [ ص: 11 ] ليس قبله شيء ، والواحد الذي ليس كمثله شيء ، فحكم الحلف به حكم القسم الأول ، وفي كتاب ابن كج : أنه ليس في الأسماء صريح في الحلف إلا بالله ، وهذا غريب ضعيف .

النوع الثاني : ما يطلق في حق الله وفي حق غير الله تعالى ، لكن الغالب استعماله في حق الله تعالى وأنه يقيد في حق غيره بضرب تقييد ، كالجبار والحق والرب والمتكبر والقادر والقاهر ، فإن حلف باسم منها ونوى الله تعالى أو أطلق فيمين ، وإن نوى غير الله تعالى فليس بيمين والخالق والرازق والرحيم من هذا النوع على الصحيح ، وبه قطع الجمهور ، وقيل من الأول .

النوع الثالث : ما يطلق في حق الله تعالى وفي حق غيره ولا يغلب استعماله في أحد الطرفين كالحي والموجود والمؤمن والكريم والغني وشبهها ، فإن نوى به غير الله تعالى ، أو أطلق فليس بيمين ، وإن نوى الله تعالى ، فوجهان : أحدهما يمين ، وبه قطع صاحبا " المهذب " و " التهذيب " ، وفي شرح الموفق بن طاهر أن صاحب " التقريب " وأبا يعقوب قطعا به ، ونقلاه عن شيوخ الأصحاب ، والثاني وهو الأصح وبه أجاب الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وسائر العراقيين والإمام والغزالي : لا يكون يمينا ، لأن اليمين إنما تنعقد باسم معظم ، والأسماء التي تطلق في حق الخالق والمخلوق إطلاقا واحدا ليس لها حرمة ولا عظمة .

قلت : الأصح أنه يمين ، وبه قطع الرافعي في " المحرر " وصاحب " التنبه " والجرجاني وغيرهما من العراقيين لأنه اسم يطلق على الله وقد نواه ، وقولهم : ليس له حرمة مردود . - والله أعلم - .

والسميع والبصير أو العليم والحكيم من هذا النوع ، لا من الثاني على الأصح ، فقد عد البغوي العالم من هذا النوع .

واعلم أن ابن كج [ ص: 12 ] نقل وجها أن الحلف بأي اسم كان من الأسماء التسعة والتسعين المذكورة في الحديث صريح ، ولا فرق بين بعضها وبعض ، وهذا غريب ، وأما القسم الثالث : فالحلف بالصفات . فمتكلم في صور :

منها : إذا قال : وحق الله لأفعلن كذا ، فإن نوى به اليمين ، فيمين ، وإن نوى غيرها من العبادات وغيرها ، فليس بيمين ، وإن أطلق فوجهان ، أحدهما : ليس بيمين ، حكي عن المزني وأبي إسحاق ، واختاره الإمام والغزالي ، والصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يمين ، لأنه غلب استعماله في اليمين ، فتصير هذه القرينة صارفة للفظ إلى معنى استحقاق الإلهية والعظمة وقال المتولي : ولو قال وحق الله بالرفع ونوى اليمين فيمين ، وإن أطلق ، فلا ، وإن قاله بالنصب وأطلق فوجهان : والذي أجاب به البغوي المنع في النصب أيضا .

ومنها : قوله وحرمة الله ، وهو كقوله وحق الله ، وقيل هو كقوله وعظمة الله ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى .

ومنها : قوله وقدرة الله ، وعلم الله ، ومشيئة الله ، وسمع الله ، وبصر الله فهذه صفات قديمة ، فإن نوى بها اليمين ، أو أطلق انعقدت يمينه . وإن أراد بالعلم المعلوم ، وبالقدرة المقدور قبل قوله ، ولم يكن يمينا ، لأن اللفظ محتمل له ، ولهذا يقال في الدعاء : اغفر علمك فينا ، أي معلومك ، ويقال : انظر إلى قدرة الله أي مقدوره ، فيكون كقوله : ومعلوم الله ، ومقدوره ، وخلق الله ، وذلك ليس بيمين ، وبمثله أجاب الإمام في : إحياء الله تعالى ، وإن قال : وعظمة الله وكبرياء الله وعزته وجلاله وبقائه ، فالحكم كما في العلم والقدرة ، ولم يفرقوا بين الصفات المعنوية الزائدة على الذات وغيرها ، هذا هو المذهب الذي قطع به الجمهور في هذه الصفات ، وحكى الإمام وجهان : أن الحلف بهذه الصفات كالحلف بالله . حتى لو قال أردت غير اليمين ، لا يقبل ظاهرا ووجها أنه إن أراد [ ص: 13 ] غير اليمين ، يقبل في العلم والقدرة ، للاحتمال المذكور ، ولا يقبل في العظمة والجلال والكبرياء إذ لا يتخيل فيها مثل ذلك الاحتمال ، وضعف هذا ، وقال : قد يقال عاينت عظمة الله وكبرياءه ، ويريد مثل ذلك ، ومنها لو قال وكلام الله ، انعقدت يمينه ، قال البغوي : وكذا لو قال : وكتاب الله وقرآن الله ، قال إبراهيم المروزي : وكذا لو قال : والقرآن أو والمثبت في المصحف ، قال المتولي : وإن حلف بالمصحف نظر ، إن قال : وحرمة ما هو مكتوب فيه ، فهو يمين ، وكذا لو قال : وحرمة هذا المصحف ، لأن احترامه لما هو مكتوب فيه ، وإذا أراد الرق والجلد لم يكن يمينا .

قلت : لم يتعرض لما إذا قال : والمصحف ، وأطلق ، وهو يمين ، صرح به بعض الأصحاب ، وبه أفتى الإمام أبو القاسم الدولعي خطيب دمشق ، من متأخري أصحابنا ، قال : لأنه إنما يقصد به الحلف بالقرآن المكتوب ومذهب أصحابنا وغيرهم من أهل السنة أن القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور ، ولا يقصد الحالف نفس الورق والمداد ، ويؤيده أن الشافعي - رضي الله عنه - ، استحسن التحليف بالمصحف ، واتفق الأصحاب عليه ، ولو لم ينعقد اليمين ، به عند الإطلاق لم يحلف به . - والله أعلم - .

ولو قال : والقرآن ، وأراد غير اليمين لم يكن يمينا ، فقد يراد بالقرآن الخطبة والصلاة .

التاسعة : إذا قال : أقسم بالله ، أو أقسمت بالله ، أو أحلف بالله ، أو حلفت بالله فله أحوال : [ ص: 14 ] أحدها : أن يقول أردت بالأول الوعد بالحلف ، وبالثاني الإخبار عن ماض ، فيقبل باطنا ، وأما في الظاهر ، فإن علم له يمين ماضية قبل قوله في إرادتها بأقسمت وحلفت بلا خلاف ، وإلا فالنص أنه يقبل أيضا قوله في إرادة الوعد والإخبار ، وقال في الإيلاء : إذا قال : أقسمت بالله لا وطئتك ، ثم قال ، أردت يمينا ماضية لم يقبل ، وللأصحاب فيها ثلاثة طرق ، المذهب في أن في الإيلاء وسائر الأيمان قولين أظهرهما : القبول ، لظهور الاحتمال ، والثاني : المنع ، لظهوره في الإنشاء ، والطريق الثاني : القطع بالمنع ، وحمل ما ذكره هنا على القبول باطنا ، والثالث : تقرير النصين ، والفرق أن الإيلاء متعلق حق المرأة ، وحق الآدمي مبني على المضايقة ، وسائر الأيمان واجبها الكفارة ، وهي حق الله تعالى .

الحال الثاني : أن يقول : أردت اليمين ، فيكون يمينا قطعا .

الحال الثالث : أن يطلق ، فالمذهب عند الجمهور أنه يمين ، وخالفهم الإمام في الترجيح ، وقيل : وجهان ، وقيل : قولان ، وقيل : أقسم صريح ، بخلاف أقسمت ، وهو ضعيف .

قلت : لو قال : آليت أو أؤلي ، فهو كحلفت أو أحلف ، ذكره الدارمي ، وهو ظاهر . - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية